التمييز العنصري: لا يوجد شيء اسمه تعادل في التمييز

 لينا شنك

قبل فترة وجيزة، لفتت انتباهي مادة إعلانية في قناة لبنانية حول محاربة الطائفية في لبنان، وهو اعلان يسمي الأمور بمسمياتها، ولا يخجل من مصارحة المشاهدين اللبنانيين بما يدور في منازلهم، وفحوى أحاديثهم التي تنم عن تمييز طائفي، فلم تخجل الفتاة التي ظهرت في الإعلان من الجهر بمعاييرها المزدوجة عندما قالت “أنا مسيحية، ولست طائفية ولا أؤمن بالتمييز، ولكنني أعتقد أن المسيحيين على درجة عالية من التعليم أكثر من المسلمين”، مما يعني أنهم يستحقون الأفضل!

مناسبة القول أنني أتمنى أن أرى اعلانا مماثلا في الأردن، حيث ينتشر على نطاق واسع ولا يخجل أيضا من مكاشفتنا بمعاييرنا المزدوجة والظلم والتمييز اللذين نمارسهما بحق غيرنا بينما نحن منشغلون في التذمر من التمييز الذي نتعرض له على يد هذا “الآخر”. منذ سنوات عديدة ونحن نراوح مكاننا في تطبيق مفهوم المواطنة في كل شؤون حياتنا العامة، فنتحدث كثيرا عن المساواة، ومن ثم نقف حائرين أمام سؤال “الهوية” وحق العودة، ومن ثم نتذكر بأن فئة واسعة ظُلمت في القطاع العام ولكنها ظَلمت في القطاع الخاص، فتصبح النتيجة وكأننا في مباراة و”تعادل الفريقان”، وتنتهي القصة هنا!

خلال المناظرات الانتخابية التي سبقت الانتخابات الماضية، طغت الهواجس والحساسيات مرة أخرى على الحوار، وبدا واضحا أننا نتعامل مع صور نمطية ومفاهيم تضرب بـ”المواطنة” بعرض الحائط، سأحاول إجمالها في النقاط التالية، وهناك من يعتقد بأن خسارة قائمة مثل “قائمة أبناء الحراثين” لهو دليل على أن الخطاب الذي تتبناه لا يعبر عن الشارع الأردني، ولكنني أجد أن هؤلاء هم من أصحاب الصوت العالي، ولا زلت أعتقد بأنهم مؤثرون بطريقة أخشى أن تصل إلى مستويات خطيرة لاحقا، وإن كان التمييز الذي أتحدث عنه غير محصور بهم، ولكنني أذكرهم هنا على سبيل المثال، علما بأن الطرح الذي يتبنونه منتشر على نطاق واسع في الصحف الورقية والالكترونية والنقاشات السياسية.

في مناقشة عدالة التمثيل في مجلس النواب،  كانت الحجة التي تبرر غياب المساواة في الحقوق السياسية لجميع المواطنين بغض النظر عن أصولهم هي أن أبناء عمان يعيشون في نعيم ولا يختبرون الصعوبات التي تواجه أبناء الكرك مثلا، ومن هنا فقد كان اقتراح أحد المرشحين أن “يعيش ابن عمان مثل ابن الكرك ومن ثم يأخذ حقوق سياسية متساوية”. المأخذ البسيط على هذا الطرح هو أنه يعالج عدم المساواة في الخدمات في المحافظات بأخذ حق من حقوق المواطنة من ابن عمان، وهكذا فإن حال المحافظات سيصلح كما شهدنا خلال العقود السابقة، وهو طرح يفتقر إلى التفكير المنطقي، فالخلل لا يعالج بخلل آخر، والتمثيل السياسي لأهل المحافظات لم ينعكس بالضرورة على تحسين مستوى الحياة فيها، مما يشير إلى خلل أعمق من أن يتم حله بحرمان ابن عمان من نصف مواطنته، مع العلم بأن عمان فيها حوالي 52 إثنية عرقية (منهم مواطنون وآخرون مقيمون) لا أعلم لماذا نصر على اختصارها في إثنية واحدة في لغة الإيحاءات التي نبرع في استخدامها!

ثم لفت انتباهي أيضا خلال النقاشات المطولة أن القصة تبدأ بدبلوماسية اعتدنا عليها، ثم عندما يتحمس المتنافسون، يصيح أحدهم قائلا “طب يجي من بكرة الفلسطيني عالجيش والمخابرات والحكومة، بس مشان الله افتحولنا هالبنوك”، ويلي هذا التصريح تصفيقا حارا من جمهور متحمس أيضا، وهو ما ينطوي مرة أخرى على اعتراف بالتمييز في القطاع العام وتبريره بوجود تمييز مماثل في القطاع الخاص بدلا من البحث في اقتلاع المشكلة من جذورها من قبل جميع الأطراف، وكأن التمييز مقبول إذا مارسه طرفان بالتساوي!

ويقلقني أيضا أننا مضطرون للمزاودة على بعضنا البعض للدفاع عن حقوقنا أو تبرير حصولنا على امتيازات أو نفي عنصريتنا، فتجد من يحتاج لأن يقسم بأن جده ولد في الأردن قبل النكبة ليقول بأن انتماءه صادق، وآخر يقول أن جده استشهد في فلسطين ليقول أنه لا يعترف بالحدود، وآخر يعتقد أن أجداده هم الوحيدون الذين حموا الأردن في الأزمات وأن هذا البلد مدين لهم ببقائه، مما يفسر حصولهم على الامتيازات حتى آخر حفيد، وآخر يستشهد بزواجه من “خليلية أو نابلسية” ليقول أنه من المستحيل أن يقبل التمييز!

الحقيقة أننا بغنى عن كل هذه المزاودات التي تصلح لأحاديث اجتماعية، ولا تعنينا عند الحديث عن المساواة التي يفترض أن يكفلها الدستور، فالمواطن الذي يحمل رقما وطنيا له الحق في الحصول على كامل الحقوق وعليه تأدية كامل الواجبات، وليس معقولا أن نخترع مقياسا يقيس انتماء أو عدالة كل مواطن بحسب مسقط رأس جده وأصل زوجته!

خلاصة القول أن قضية التمييز التي يعاني منها الأردنيون من شتى الأصول والمنابت في القطاعين العام والخاص ليست جديدة، وتقف عائقا أمام أي تحول باتجاه دولة القانون والمؤسسات التي تقدس الكفاءة قبل مسقط الرأس، ولكنني أستغرب من أننا نعيش في مجتمع لا يأبه بتوريث هذا التمييز إلى الأجيال القادمة.

لست بالسذاجة التي تجعلني أعتقد بأن ما أقترحه سينفذ في القريب العاجل أو أن القانون سيُحترم ولن يخرق عشرات المرات شأنه شأن القوانين الأخرى، ولكنني لا زلت أعتقد أن الهدف مشروع ويستحق أن نناضل من أجله، فليكن لدينا قانون اسمه “قانون مكافحة التمييز العنصري”، أليست هذه هي القضية التي قضينا عقودا لمواجهتها وفشلنا لأننا نتعادل في الظلم والتمييز باستمرار؟ متى نفهم أن هذا التوازن الوهمي لن يحمينا من الانفجار؟ نحن لن نعيد اختراع العجلة، معظم الدول المتقدمة لديها قوانين وإجراءات لضمان المساواة، فإذا ما اقتنعنا أن المساواة لا تهدد وجودنا لأن هذا “الآخر” سيُعامل مثلنا تماما، أمامنا فرصة لحماية أجيال قادمة من هذا الداء القاتل!

أريد من هذا القانون أن يحدد أسسا واضحة لتعريف التمييز على النحو الذي يخلص كل مواطن من الأحقاد التي يحملها ويستعد لنقلها إلى أبنائه وأحفاده، وإجراءات وعقوبات رادعة بحق الدائرة الحكومية والبنك على حد سواء إذا مارس أي منهما تمييزا بحق مواطن واحد، وليكن هناك هيئة لها كامل الصلاحيات في التحقيق في شكاوى المواطنين وملاحقة الجهات المخالفة قانونيا، ولنتخلص من هذه العقدة التي تلازمنا!

بالمناسبة فإن هذا القانون لا يقبل بالتمييز ضد مواطن واحد، ولا يشفع للبنك أو الدائرة أن هناك عدد كافي من الموظفين الذين ينحدرون من نفس البلدة الأصلية التي ينحدر منها هذا المواطن، أي أن هذا القانون ينظر في التمييز الذي يتعرض له الفرد بصفته فردا ولا يعنيه وجود الكوتات “العادلة” والحسابات التي أصبح لها دليل خاص!

عندما يكون مواطن على يقين بأنه يحمل الكفاءة اللازمة لملء شاغر حكومي في إحدى الوزارات أو الدوائر الحكومية، وقد تم استبعاده بسبب أصله أو لهجته، لماذا لا يقدم شكوى رسمية بهذا الخصوص؟ عندما يكون مواطن آخر أيضا مستبعدا من أحد البنوك أو الشركات بسبب أصله أو لهجته، لماذا لا يجبر هذه الجهة على التراجع والشعور بالخزي من التمييز الذي تمارسه؟ لماذا يصمت ويمضي ويزرع في نفوس أجيال قادمة حقد من المتوقع أن يبرز على السطح في أي لحظة؟

هل من المعقول أن يقبل مسؤول في وزارة الخارجية أو في شركة خاصة أن يتم تحويله إلى القضاء لأنه سأل المتقدمين “انتوا من وين”؟ نعم، لا يجب أن نتعامل مع هذا السؤال في الحياة العامة وكأنه جزء من الأعراف الاجتماعية وأنه جزء من ثقافتنا! هل من المعقول أن يُقبل أحد المواطنين على الشكوى لجهة رسمية لمجرد أنه استبعد من وظيفة حكومية بسيطة؟ الجواب هو أن الخيار متروك له، ولكنني لا أريد أن يمر عقدان من الزمان، ومن ثم ألتقي بابن هذا المواطن ويخبرني أنه يشعر بأنه مواطن من الدرجة الثانية لأن أباه رفض في القطاع العام بسبب أصل العائلة!

إذا ما كتب لمثل هذا القانون أن يرى النور ويمر بـ”قنواته الدستورية”، أي يمر من خلال مجلس نواب كالذي نراه، أتوقع أن نمر بمرحلة طويلة من المزاودات والمخاوف والاتهامات المتبادلة، ومن المتوقع أن يشعر كل طرف بأنه مستهدف لأن القطاع الذي احتكره لعقود، أو على الأقل فإن هذا ما توحي به الصورة النمطية، سيصبح وكأنه “مشاع”. أتمنى عندها أن نتذكر لمرة واحدة فقط أن الأردن فيه من الأصول ما يكفي لتعددية حقيقية أكبر من الثنائية التي نصر على اختصار أزمة المواطنة بها!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: