في الصميم ديناصورات الاردن وصناعة الاعداء

ديناصورات الاردن وصناعة الاعداء

 

نفس القصة من أولها في الأردن ..أحد ما في السلطة يقرر لسبب غامض إستهداف المثقفين المعتدلين حتى يخلي الساحة فقط للمتششدين.

..حصل ذلك في الماضي مع المعتدلين في الأخوان المسلمين عندما ضللهم وخدعهم أحد جنرالات الحكم فإنتهى المشهد بتسليم مفاصل القيادة داخل أهم وأعرض تنظيم في الحركة الإسلامية للمتشددين.

آنذاك إجتهد أحد المغامرين {بالمناسبة هو في السجن الان بعدما أدين بالفساد} فعقد صفقة طيبة خارج الإطار الرسمي مع شخصيات معتدلة تمهيدا لإستقرار الأجواء العامة في البلاد عشية الإنتخابات .

فرح الجميع وطنيا بهذا الترتيب المعتاد دون الإنتباه للفارق بين مغامر ومجازف أتيحت له مساحات السلطة ووضعت في حنكه لقمة لا يستطيع بلعها وبين رجال حكم يتمتعون بالمصداقية والإحساس بالمسؤولية.

بسبب الإصرار على {تخريب} مؤسسة النظام إنتهى المشهد بتزوير فاضح للإنتخابات دفع ويدفع ثمنه الجميع حتى الأن وإستهدف التزوير حصريا من إتفق معهم صاحبنا الجنرال فتحولوا جميعا للمعارضة الشرسة وظهروا في قمة التشدد بعد الربيع العربي.

هي عمليا صناعة مجانية للخصوم والأعداء تشرف عليها مؤسسات وشخصيات داخل النظام أحيانا وتقدم خدمة من فئة النجوم الخمسة لكل من لا يحب النظام أو يحاول مناكفته ومعاكسته.

لسبب أو لآخر يبدو أن سياسة صناعة الخصوم والأعداء للنظام وللدولة وللمؤسسات مستقرة في تقاليد العمل الرسمي والبيروقراطي فالمشهد يتكرر على أكثر من صعيد وفي أكثر من مستوى.

المسيرة الأخيرة للحراكيين في مدينة إربد كانت معتدلة في حجم المشاركين فيها ومنضبطة في تركيبة هتافاتها … أحد ما في السلطة قرر مباعدة النظام أكثر عن الناس فقمع المسيرة بخشونة ليوفر قواعد جديدة للعبة وكأن النظام أصبح على نحو أو آخر عدوا لنفسه.

نعم يوجد ديناصورات في الأردن لكنهم في السلطة وفي حالة صدام ونزاع ويكسرون الجرار أثناء تجولهم في الأروقة والمكان وأزعم ان هؤلاء حصريا وليس مواطنين عاديين هم من قصدهم الملك عبدلله الثاني في تصريحاته الشهيرة لمجلة أتلانتك الأمريكية.

ديناصورات المؤسسة يعيقون الإصلاح بتخصص ويؤجلون الإستحقاق الديموقراطي بخبرة وتظهر شطارتهم حصريا عندما تتفتح أي زهرة في حديقة الإصلاح التي جفت أعشابها وخلت من الزائرين والمؤمنين ولا تصلها بطبيعة الحال المياه لان أقدام الديناصورات إياها اهلكت العشب والضرع والزرع.

بعض المستويات تريد {مخبرين} وليس {مؤمنين} بالنظام والدولة وكرست وقتها لوظيفة في غاية الإثارة وهي إلتقاط أي فكرة نبيلة ومعتدلة تسعى لخدمة إستقرار النظام والناس ومحاصرتها بكل الوسائل البدائية المألوفة في كلاسيكيات القمع والتهديد والخشونة والمقامرة والجرأة والعسف في الباطل.

على نفس المسطرة تحصل مضايقات لكل من يطرح كلاما موزونا بإعتدال يمكن ببساطة الإستنتاج بأنه منطلق من السعي لمناقشة أوراق العمل النقاشية التي يطرحها الملك شخصيا على الناس ويطالب باراء حولها.

مفارقة لا يمكنك إلتقاطها إلا في حالة عمان ..ملك يحرض الشعب على التفكير والنقاش ونخب وأجهزة ومؤسسات رسمية بإسم الملك تنقض على كل من يفتح فمه بأي فكرة نقاشية حتى بات الإنطباع السائد يشير لان أدوات النظام تعمل في إتجاهاته المعاكسة وهي أقوى منه.

متسلطون غريبون يعترضون على بعض المشاريع لكنهم يمنعون بنفس الوقت مثقفين معتدلين من الإعتراض عليها ….لماذا وكيف يحصل ذلك وعلى أي أساس؟..لا أحد يعرف.

يمنع بعض المثقفين المتوازنين المعتدلين جدا من التحدث لأهالي المخيمات فتترك الساحة لجبهة النصرة مثلا.

يملأ الحراك الشعبي البلاد ضجيجا وحيوية على مدار عامين فتتشكل حكومات دون أن تفكر جهة ما في السلطة بالإستعانة بأي حراكي معتدل.

يطالب رجل الدولة والنظام الحراكي المعتدل أحمد عبيدات بوضع حد لإعتداءات البلطجية والزعران حتى يستطيع إقناع المسيرات بعدم رفع سقف الهتاف فيسمح لبعض الزعران بالإعتداء عليه شخصيا.

يحظر على بعض المفكرين المعتدلين التحدث عن {المواطنة} بإعتبارها حبل النجاة لمستقبل زاهر ومستقر وآمن فتتكرس النزعات الجهوية الضيقة التي إلتهمت الجامعات وأفسدتها وتلتهم ما تبقى من مظاهر الحياة العامة والمؤسسات.

وتجد من يدافع بكل صفاقة عن سياسات حمقاء ثبت انها خاطئة بكل اللغات والأدلة.

بذريعة {الظروف لا تسمح} والوقت لا يلائم يعترض مسؤولون على كل من يتحدث عن سحب الجنسيات دون أن يقوم أي منهم بأي جهد ولو بسيط لحماية الحقوق الدستورية للمواطنين أو بتقليب وتجريب خيارات أخرى تكرس ولو لمرة واحدة فكرة المواطن الذي تحترم حقوقه.

أحد أعضاء البرلمان كتب يقول: نريد أن نعرف ..من حقنا أن نعرف كيف ولماذا تموت أفكارنا النبيلة قبل أن تولد؟ ..حتى تلك التي إنبثقت عن رؤية ملكية ثاقبة ترنحت ودفنت بعدما تسولت الرعاية والإهتمام والتنفيذ على عتبات البيروقراط البائس أو الحرس القديم المحافظ أو المجسات الأمنية المغرقة في الحسابات المضادة.

رئيس وزراء سابق تحدث لي شخصيا بمنطق عجيب معترفا بكل الأخطاء والجرائم التي ترتكب ضد حقوق الناس الدستورية لكنه بنفس الوقت يفضل عدم التحدث عنها {حتى لا نفضح بلدنا}.

المرعب أكثر هو ما يرصد أحيانا من تعاكسات واضحة ومباشرة بين ما يقوله رأس النظام وما يصدر عن المرجعية العليا من توجيهات ومقايسات وكلمات طيبة وبين ما تتصرف به الأجهزة وما يجترحه المسؤولون التنفيذيون من حلول عبقرية تضعف مصداقية النظام بل وتدمرها.

أعرف شخصيا بعض المثقفين والسياسيين والإعلاميين الذين تعرضوا للمساءلة والتلويح بالتهديد لانهم حاولوا إلتقاط ما هو جوهري في رسائل وعبارات إصلاحية صدرت عن الملك نفسه والبناء عليها..بعض هؤلاء قيل لهم بوضوح بأن الإصلاح كذبة وليس جادا.

من هم هؤلاء الذين ينتجون قصدا إنطباعات متعاكسة ويقولون كلاما كلاسيكيا من طراز قديم في وقت صعب ومعقد إختلفت فيه قواعد اللعبة؟…. بصراحة أكثر: من هم ومع من يعملون؟.

أحد السياسيين إستغرب ما يجري أمامي قائلا: بعض المسؤولين يتصرفون وكأن الدنيا ما زالت قمرة وربيعا وعلى أساس أن بلادنا مرتاحة وكل شيء تمام..لاحقا أضاف الرجل نفسه: هذا النمط من التفكير مؤذ جدا للدولة وللنظام.

 

‘ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: