لأردن بين المنبت والمستنبت

الأردن بين المنبت والمستنبت
بسام البدارين

2013-03-05

 


جريمتان علنيتان إرتكبتا مؤخرا أمام الملأ في الأردن ولم تحرك السلطات ساكنا تجاههما.
الأولى إرتكبت عند الدعوة للإنقلاب على الشرعية في البرلمان والحكومة فقط لان عضوا في البرلمان خاطب رئيس الديوان الملكي فايز الطراونة قائلا: أريد أن ينضم أولادي إلى جهاز المخابرات العامة.
الثانية تضمنت وصفا علنيا لنواب الأمة بانهم {فئران خرجت من جحورها} لان بعضهم تبنى دعوة صريحة ومباشرة لمنهجية المواطنة وإعتبرها شرطا لمنح الثقة للحكومة المقبلة.
البوصلة المحلية لم تكن معتادة على الإستماع لوجهة نظر من مواطن أردني أصبح نائبا لا يبحث عن العدالة والمساواة بالتوظيف بل يستفسر عن المبررات التي تحول دون توظيفه بالسلك العسكري والدبلوماسي والأمني.
طبعا أعضاء البرلمان الذين وجهت لهم هذه الإهانات إبتلعوها ولم يتابعوها ..حتى رئيس مجلس النواب سعد هايل السرور لم يلتفت إطلاقا لموجة الردح التي تطال هيبة مؤسسة البرلمان خلافا لما كان يحصل في الماضي.
الحملة التي تستهدف في عمان هذه الأيام نخبة من أعضاء البرلمان الأردني لانهم ينتقدون سحب الجنسيات والأرقام الوطنية أو يدعون لتعديل الدستور لصالح حرمة التمييز على أساس الجنس بين المرأة والرجل لها منطلقاتها ومبرراتها التي لا تستحق النقاش من حيث المبدأ.
لكن اللافت أن هذه الحملة إفترضت وهما وإختلقت مجددا مشروخة {التجنيس} في سياق محاولة مكشوفة لإرهاب أولا- لجنة وزارية شكلها الطراونة نفسه كلفت بمراجعة تظلمات ما يسمى بقرار فك الإرتباط.
وثانيا – لإرهاب عدد محدود من النواب الجدد يتحدثون عن المواطنة ودولة العدالة والقانون والمؤسسات كمعيار يتيم يمكن أن يتهيأ فيه الشعب الأردني للمستقبل.
واللافت أيضا أن من يطلقون الشتائم على أعضاء البرلمان من دعاة المواطنة والدولة المدنية هم أنفسهم لم يحصلوا كقائمة في الإنتخابات الأخيرة على عدد من الأصوات يساوي الأصوات التي حصل عليها فرد واحد هو المحامي مصطفى ياغي ممثل مخيم البقعة للاجئين في غرب العاصمة عمان.
لذلك لا توجد شرعية أصلا لأي نقاش مع هؤلاء لان الأرقام ببساطة شديدة تقول بأنهم لا يمثلون أحدا في المجتمع الأردني الطيب الباحث عن الإستقرار.
بعض الموتورين إخترعوا مجددا قصة التجنيس التي أصبحت عبارة عن موضة يمكن إختراعها لأي سبب وفي أي وقت ولأغراض البقاء على خارطة الجدل بحيث يتواصل إقلاق المجتمع لمصلحة المشروع الصهيوني بكل الأحوال.
مناسبة شائعات التجنيس التي إنطلقت مجددا برعاية بعض المؤسسات والأذرع في النظام والدولة تتمثل في إستكثار الدعوة من قبل بعض النواب لمنهجية المواطنة ليس أكثر وفي إستمرار {الإعتداء البيروقراطي} على قرارات سيادية لمجلس الوزراء من قبل موظفين صغار في دائرة تتبع وزارة الداخلية.
لا يوجد تجنيس من أي نوع يستوجب الهجمة المخجلة المدعية فوزير الداخلية عوض خليفات صرح بان الوزارة لم تجنس في عهده إطلاقا ولو مواطنا واحدا فيما تراجع لجنة وزارية شكلت سابقا ببطء شديد وبحركة سلحفائية بعض التظلمات التي تستند إلى قرارات سحب جنسية إتخذت بدون عدالة وخلافا لأحكام القانون والدستور وبعيدا حتى عن التعليمات العلنية وتلك السرية التي تمتنع السلطات حتى اللحظة عن الإعتراف بوجودها فيما نملك وثائقها.
إتهامات التجنيس والتوطين الجزافية هدفها الحفاظ على حالة القلق في المجتمع.
ونختلف مع بعض الأخوة في الحراك الذين يرون بأن المطالبة بالمواطنة أو بوظائف في أجهزة الأمن والجيش خطوة صهيونية يمكن أن تهدد إستقرار المجتمع ونرى العكس تماما فالإستقرار في المجتمع لن يتحقق بدون عدالة ومساواة وبدون مواطنة وما يشكل خطرا حقيقيا على الأردن وجودا وشعبا هو إستمرار مسلسل الإعتداء على حقوق مواطنيه الدستورية والمزاجية في مسألة سحب الجنسية والرقم الوطني والمستفيد الأول من سياسات رعناء هو حصريا المشروع الصهيوني.
لا نؤيد تجنيس ولو فلسطيني واحد لأي سبب لكن لا نقبل أيضا سحب الجنسية من أي مواطن أردني مهما كانت الذريعة خصوصا قبل حسم الصراع مع إسرائيل وتمكين الدولة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني ففلسطين لا زالت بالنسبة للأردنيين جميعا ومن شتى الأصول والمنابت تمثل الوطن الذي لا بديل عنه إلا الجنة والأردن يعيش في مواطنيه ولا يعيش مواطنوه فيه.
لا مستقبل إطلاقا لوطن أو لنظام أو لشعب ينقسم أهله ما بين منبت و{مستنبت} على حد تعبير عبد الكريم الكباريتي.
إستمعنا لخطاب وطني بإمتياز للكباريتي المبتعد عن الأضواء خلال عرس وقال الرجل فيها أنه يحب هذه المناسبات الإجتماعية لعدة أسباب أهمها أنها تضمن عملا لرؤساء الوزارات السابقين.
الكباريتي وهو شخصية ثقيلة جدا في الأردن عكس حقيقة وجدان الشارع الأردني وهو يتحدث عن وحدة وطنية ودم واحد ساخرا من الكلام عن مواطن من منبت وآخر من مستنبت ..واحد من أصل والثاني مستأصل.
الأجهزة البيروقراطية هي التي تعتدي على سيادة مجلس الوزراء وولايته العامة وهي تسحب الأرقام الوطنية من وراء ظهر لجنة وزارية قررت علنا بأن عملية إستبدال بطاقات الجسور حصريا من صلاحيات مجلس الوزراء.
الأوطان ستبقى ملامح كما يقول الشاعر الراحل حبيب الزيودي رحمه ألله والدول لا تستنبت مواطنيها أو تقلهم كالأغصان ومنهجية المواطنة هي حبل النجاة في مواجهة مستقبل موحد ومجتمع مستقر ودعوات شيفونية مريضة يرعاها أحيانا بعض المراهقين في مؤسسة القرار.
لا زالت سياسة سحب الأرقام الوطنية والإستثناءات الجامعية عامل سلبي على الإقتصاد والإستثمار والتنمية وخطوة أساسية في مسلسل تشويه سمعة البلاد ومصداقيتها خصوصا عندما يتعلق الأمر بإدارة بيروقراطية تمنح وثائق رسمية أو تسحبها من مواطنين بدون علمهم، الأمر الذي لا يحصل حتى بالصومال وبالدول الفاشلة.
ولا زالت المحاصصة البغيضة في الوظائف والمناصب العليا والسفلى أقرب وصفة لإنتحار الكفاءات وإخفاق الإدارة لانها تنتهي بحرمان الوطن والمواطن والنظام من كفاءات مهمة ومبدعة تمثل جميع الأردنيين وفي كل مكان لصالح فئة من الإنتهازيين والحواة العابرين للأصل والمنبت والذين يوجد بينهم عشرات الأردنيين من أصل فلسطيني في الواقع.
طبعا نؤيد حسم هذا الملف نهائيا ولمرة أخيرة وبموجب قرارات وسياسات واضحة تكرس حق العودة ولا تمس بمستقبل ولو شبر واحد أو ذرة تراب من فلسطين ودون أي مساس بالهوية الوطنية الأردنية التي كانت دوما عنوانا للفخر والإعتزاز يستحق الصمود والبقاء فالأردن ليس فلسطين.
لكن على أن يتم ذلك بدون لف ودوران ومزاجية وتعليمات سرية وتفسيرات متقلبة في غرف مظلمة وبشكل يجتث الفساد ومحاولات الإبتزاز التي يتعرض لها من ينام أردنيا ليستقيظ {بدون جنسية} دون أن تقف معه الدولة الأردنية في إعادته لفلسطين أو حتى في تأمين بطاقة هويته الإسرائيلية.
ملف تجنيس أبناء الأردنيات قديم متجدد وسبق أن طالبت به العشرات من المنظمات النسائية الوطنية ولا يوجد أي جديد في هذا السياق يستوجب كل هذه الهجمة البائسة والكذب والإدعاءات والحديث عن تجنيس عشرات الفلسطينيين فبعض قادة السلطة الفلسطينية يتحدثون عن وجود عشرات ألاف الأردنيين في وطنهم الثاني والبديل فلسطين وليس العكس ومن ينظرون لسحب جنسية مواطن فقير او بسيط لا يتحدثون عن الجنسيات الأردنية التي يحظى بها أركان وقادة كبار في سلطة رام ألله.
جلست مع وزير الداخلية عوض خليفات نحو ساعة من الزمن وتحدثنا بصراحة في هذا الملف وبعمق وما أستطيع نشره من مضمون الحديث هو بعض المعلومات فيما إتفقت مع الرجل على حجب البعض الأخر مؤقتا.
بالسياق ثمة قناعة بأن {الترهل} هو المرض الأساسي وأن بعض الأذرع البيروقراطية تحاول التمادي على سلطات وزارة الداخلية السياسية والدستورية.
إتفق معنا الوزير على أن مصلحة البلاد والنظام والحكمة تقتضي معالجة دستورية وقانونية لملف فك الإرتباط بصورة شفافة وواضحة وبأن لجنة وزارية مختصة ناقشت التفاصيل بصراحة وعمق مؤخرا وبان العودة لمضمون قرار مجلس الوزراء بداية الحل.

‘ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن

Advertisements

One response

  1. جنسيتي حق لعائلتي 3-3-2013

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: