المحاصصة والإقصاء وضياع البوصلة لميس أندوني

المحاصصة والإقصاء وضياع البوصلة

 251814_449624715060135_827173947_n

عمان- لن أخوض فيما قيل أو لم يُقَلْ، على لسان أحد النواب، بل سأذهب مباشرة إلى جوهر المسألة، برأيي على الأقل، وهي أننا وصلنا إلى حالة إرباك، غدت فيها خلفية الوزير الجغرافية، أهم من البرنامج السياسي للحكومة، في انحراف لافت عن أولويات السياسات الاقتصادية، التي يتم تمريرها بهدوء وتصميم، وفي تغييب خطير للقضايا الوطنية.
المحاصصة تتناقض مع مفهوم دولة المواطنة، لكن الإقصاء المتعمد هو أيضا تقويض لأسس دولة المواطنة بمعنى المساواة بالحقوق والواجبات وإقامة دولة القانون ومساءلة الحكومات وضمان المشاركة والتمثيل الواسع، لكن الأهم أننا ندخل في متاهة تبعدنا عن مواجهة التحديات الحقيقية.
واضح أننا ما زلنا أسرى التفكير الضيق، الذي يربط المشاركة والتمثيل في التشكيلة الحكومية بالهوية المناطقية والعشائرية وحتى العائلية، هذا عدا عقدة “الأصول والمنابت”، وبالتالي لا تكون هناك مناقشة للسياسات أو الإجراءات، بالأخص الاقتصادية منها، وكأن هوية الوزير العشائرية أو المناطقية هي المدخل الرئيسي للعدالة الاجتماعية والسياسية.
ألم نتعلم من تجارب الحكومات السابقة؟ نتصرف وكأن لا وجود لأزمة اقتصادية وتداعياتها على فئات اجتماعية واسعة ، في كل المحافظات، والمدن والقرى من دون استثناء.
فجيوب الفقر موجودة في قرى الشوبك والمفرق كما هي في عمان والزرقاء واربد والمدن الرئيسية الأخرى مروراً بالمخيمات.
ما يحصل هو تجليات تفاقم الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، فكما في كل بلدان العالم، يؤدي تدهور الوضع المعيشي، إلى حملات لوم متبادلة، حتى بين المتضررين أنفسهم، فتصب فئات مجتمعية غضبها على من تراه “الآخر”، المنافس على الثروات والموارد والوظائف، بدلا من مواجهة السياسات بوعي ورؤية استراتيجية للعدالة الاجتماعية.
في التاريخ القديم والحديث، أمثلة كثيرة كيف يتجسد هذا التوتر المجتمعي في بروز أفكار واتجاهات ونزعات ، ليس بمعنى الجيني أو العرقي، بل الكراهية، وعادة ما تكون هناك جهات مستفيدة من إثارة خطاب التفرقة، بهدف بروز معارضة فعالة لسياسات تصب في مصلحة فئات ضيقة ومتنفذة.
طبعاً المشاعر والآراء العنصرية لا تنحصر في “فريق ” دون آخر، لأن الخوف من الإقصاء والتهميش، إذا ترك للغرائز، لا يخلق حركات تغيير اجتماعية وسياسية بل في تقوقعات وبل في حركات متنافرة تتغذى وتبث الخوف والكراهية، تهدد في أشكالها الأكثر تطرفاً وتعصباً الانسجام وحتى السلم الأهلي.
في حالة الأردن بالذات، هناك جهات مستفيدة، تدفع بشكل مباشر أو غير مباشر لعملية إلهاء وتلهية مقصودة، في قضايا تشغل الرأي العام عن قضاياه الرئيسية خاصة المعيشية منها، فلا عجب أن لا يكون هناك موقف معارض وموحد في السياسات ويقدم رؤية بديلة، فتغيب القيادة المجتمعية ويصبح من السهل استغلال الغرائز، واستثارتها لإيقاظ العقلية “القبلية” ويختفي حوار العقل وقد تتلاشى فكرة الحوار نفسها.
لماذا لا ينصب الضغط باتجاه خطة لمراجعة عقد خصخصة الفوسفات مثلاً، بحيث يسترجع الأردن حقوقه في ملكية موارده الطبيعية؟ أو أن تلك معركة غير مسموح بها؟
لا يعني ذلك إهمال أهمية التعبئة لرفض أية تسويات إقليمية على حساب الأردن والقضية الفلسطينية، ولكن ما نراه هو جدل الخوف والتخويف، وليس حملة توعية تنويرية، تغلب عليها لهجة الإقصاء والتحريض، وإسرائيل ليست بوارد أحد منا، فنقل المعركة إلى الأردن، يناسبها تماماً.
علينا الحشد لرفض أية مبادرات وتسويات ، لن تكون إلا إعادة تغليف لمبادرات قديمة مفلسة، تطيل عمر الاحتلال وتشرع الاستيطان، لكن يتم تسويقها باسم السلام والوئام، الحشد والتوعية مطلوب بل ضروري خاصة، في حين يتم تغييب القضية الفلسطينية، وتأثيرها على الأمن القومي الأردني، إلا بما يخدم إشعال النعرات وتعميق الخلافات.
لكننا مشغولون جداً، بخطابي الإقصاء والمحاصصة، في تشكيلة حكومة لها أجندة معدة سلفاً، ومصالح الأغلبية مغيبة من مشاوراتها ومداولاتها لكن الأخطر أن نساهم نحن أيضاً، بإلغاء وتغييب الوعي بقضايانا وضياع البوصلة الوطينة.
عن “العرب اليوم”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: