منع من النشر : خمس ملاحظات حول “مقابلة” الملك

 

الزميل الكاتب : باتر وردم - عمان

الزميل الكاتب : باتر وردم – عمان

كتب : باتر وردم – عمان – –

شعور حقيقي بالارتباك والمفاجأة ساد الأردن بعد قراءة التقرير التحليلي الذي نشره الصحافي الأميركي جيف جولدبيرج في مجلة “ذي أتلانتيك” مستندا إلى حوارات طويلة أجراها مع الملك عبد الله الثاني في فترة يبدو أنها كانت في فصل الخريف من العام الماضي 2012. السبب الرئيسي للمفاجأة هو نوعية الكلام المنسوب إلى الملك، والذي كان في غاية الصراحة بدرجة أدهشت الجميع. بعض هذه التصريحات قالها الملك سابقا في لقاءات مباشرة مع مسؤولين وشخصيات سياسية وإعلامية ولكن لم تكن للنشر، ولكن في هذه المرة تم تجاوز هذا الحد المرسوم سلفا. ومع الحجم الكبير من التصريحات المثيرة التي تضمنها المقال على لسان الملك كان من الطبيعي انتشارها على مستوى واسع محليا وعربيا وعالميا، فمن الصعب رؤية رئيس دولة يتحدث بهذه الصراحة. بعد قراءة النص الأصلي للمقال وليس الترجمة المجتزأة يمكن الوصول إلى خمس ملاحظات رئيسية.

1- من الخطأ سياسيا وإعلاميا اجتزاء “فقرات” معينة من المقال والترويج لها واستخدامها سياسيا سواء لدعم رؤية الملك الإصلاحية أو لتوجيه النقد وردود الفعل المنفعلة، خاصة من قبل التيارات والحراكات السياسية التي أظهرت في الأشهر الماضية شعورا عدائيا تجاه النظام. المفروض قراءة المقال كاملا ورؤية الصورة الشمولية أولا والتي تتضمن تعبيرا واضحا عن إحباط الملك من عدم تحقيق التقدم المطلوب في مسار الإصلاح وتحديده لعدة جهات تقف عائقا أمام هذا التوجه، سواء من قبل مؤسسات الدولة أو المعارضة أو الشخصيات السياسية التقليدية.

2- المقال لا يندرج ضمن أسلوب المقابلة الصحافية الرصينة والتي تتضمن السؤال والجواب وتلتزم بقواعد البروتوكول في مثل هذه الحالات. الصحافي جولدبيرج حصل على ميزة استثنائية في الوصول إلى الملك لمدة طويلة والحديث معه ومتابعة نشاطاته وبطريقة لم يحصل عليها صحافي آخر، ولكن من الواضح أن الاختيار كان غير سليم. تم منح هذه الأفضلية لصحافي لديه تاريخ سلبي في دعم إسرائيل والعداء للأردن وليس من الكتاب المعروف عنهم النزاهة والدقة في النقل، وعندما يكون استخدام هذا الكنز من المعلومات والآراء الشخصية للملك ضمن سياق مقال تحليلي يجمع ما بين الاقتباس والرؤية الشخصية للكاتب تصبح هنالك عدة ثغرات من الخطورة وتسلل رغبات إساءة العرض المتعمدة أو حتى الأخطاء في التوثيق. ردود فعل الإعلام الرسمي كانت مرتبكة وهذا يدل للأسف على وجود ثنائية الخوف وعدم الكفاءة مما أنتج تصريحات قد تكون مناسبة لفترة الثمانينات وبداية التسعينات ولكن ليس لعصر التواصل الاجتماعي والإنترنت الذي يتبادل المعلومات والمصادر الأصلية خلال دقائق.

3- المعارضة والحراك المعادي للنظام استخلص الجمل والفقرات الأكثر إثارة وأحيانا خارج السياق الصحيح، وذلك خدمة لأهداف مسبقة. على سبيل المثال عندما ذكر الملك مصطلح “الديناصورات” كان ذلك في سياق حديثه عن قيادات حزب محدد ترفض التغيير ولا تتكيف معه وقد خصها الملك بانتقادات كثيرة تماما كما خص الأخوان المسلمين. حاول البعض الترويج لفكرة أن مصطلح “الديناصورات” جاء لوصف الشخصيات العشائرية والسياسية بشكل عام، ولكنه في المقال وعلى لسان الملك كان موجها لفئة معينة ومحددة بناء على دورها السياسي الحزبي وليس خلفياتها الاجتماعية. وللأسف أصبح جولدبيرج في نظر المعارضة مرجعية في المهنية الإعلامية واصبح يتم تناقل تصريحاته حول امتلاكه للتسجيلات وكأنه أمر مسلم به!

4- تضمنت الفقرات على لسان الملك الكثير من المضمون الاستثنائي في سياق مكافحة الفساد ودعم الإصلاح وهو أمر كانت المعارضة والحراك تطالب به منذ سنوات طويلة، ولكن لم يتم أبدا التركيز على هذه الأبعاد الإيجابية في المقال. المضمون الأهم في المقال كان رؤية الملك حول مستقبل الملكية الدستورية وضرورة إحداث التغيير الجذري المطلوب ولكن بوجود مؤسسات قادرة على تغطية اي فراغ قد ينجم عن تخلي الملك عن صلاحياته الدستورية تدريجيا، وهذا أمر لا يمكن نكرانه والتجاوز عنه.

5- ما تم نشره في الإعلام المحلي والإقليمي والدولي عن راي الملك بالرؤساء العرب والرئيس التركي لم يكن دقيقا. لم يصف الملك بشار الاسد “القروي” وهذه الكلمة Provincial استخدمها جولدبيرج في سياق سؤال وجهه للملك وليس اقتباسا من الملك. بالنسبة لإردوجان لم يصف الملك أردوجان بأنه دكتاتور، بل أعاد تكرار جملة قالها إردوجان نفسه وهي “أن الديمقراطية بالنسبة لي هي جولة في باص وعندما أصل إلى المحطة سأنزل منها”. في الحديث المقتبس من الملك الكثير من المديح لإردوجان ولكن لم يتم الترويج لذلك!

في محصلة الأمر نحن نعيش في عالم جديد من التغيير، ومهما كان حجم “التلاعب” الذي قام به جولدبيرج لكلام الملك وإساءة استخدامه فإننا إزاء صراحة باتت مطلوبة في الأردن وعالمنا العربي، والمهمة الأولى لنا كإعلاميين أن نتحمل المسؤولية في نقل الحقيقة والترجمة الأمينة والشاملة، وليس الاجتزاء سواء للدعم أو للنقد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: