العودة إلى “الاسطوانات المشروخة”!

d8a7d984d8b1d8a7d98a-d8a8d8b1d8b3-941

يمكننا أن نتنبأ بسهولة وبنسبة عالية جرعة ساخنة من الخطابات النارية من عدد كبير من النواب في مناقشة خطاب الثقة، مع نهاية الأسبوع الحالي، بعض هؤلاء “النواب الساخطين” ممن كانوا في “أحضان” الدولة إلى الأشهر الماضية القريبة! وبنسبة عالية، أيضاً، يمكننا أن نتنبأ بأنّ الحكومة ستحظى بالثقة النيابية، وإن كانت على الأغلب لن تكون فلكيةً، بل متواضعة ومنطقية.

لم تعد هذه اللعبة مقبولة ولا تحمل أيّ قدر من الاحترام لذكاء المواطنين ومستوى التعليم والثقافة المرتفع في بلادنا، ولا أظنّ أنّ الأغلبية ستتابع نقاشات الثقة في البرلمان (بالرغم من أهميتها النظرية)، إلاّ من باب الفكاهة وانتظار المواقف النادرة والطريفة المتوقعة من قبل بعض النواب، الذين أصبحوا يستمتعون بهذه الأدوار!

سنسمع من النواب خطاباً “شعبوياً” مكرّراً، وستتجه أغلب الكلمات للمطالبة بضمانات من الحكومة بعدم رفع أسعار الكهرباء في شهر حزيران القادم، وسيربطون الثقة بذلك، فيما سيكون جواب الحكومة في ردّها على خطابات السادة النواب بوعد من الرئيس بعدم رفع أسعار الكهرباء إلاّ بعد أن مناقشة السادة النواب، وبحث البدائل الممكنة، وفي النتيجة سيتم رفع أسعار الكهرباء، لأنّ هذه اتفاقية موقعة مع صندوق النقد الدولي، ولأنّها جارية التطبيق، لا تنتظر موافقة المجلس الكريم!

من الصعوبة أن نطلب أداءً مختلفاً من السادة النواب، فذلك أكبر من طاقة المجلس الحالي وإمكانياته، لكننا كنا نتوقع مع وجود نخبة جديدة من النواب وبعض النواب القدامى إحداث فروق، ولو جزئية، في دور المجلس، وتحسين صورته، وهو ما لم يحدث، كما نشاهد!

بالنسبة للشارع، وبغض الطرف عن المعاناة الاقتصادية القاسية التي يواجهها تحت وطأة التضخم وارتفاع الأسعار وانخفاض القيمة الشرائية للدينار، وغوائل الفقر والبطالة التي تنهك شريحة واسعة وتستنزفها، إلاّ أنّ القضية ليست مرتبطة برفع أسعار الكهرباء حصرياً، فقرار المحروقات في نهاية العام الماضي أشد وطأة على المواطنين، بقدر ما أنّ الموضوع أولاً وأخيراً يرتبط بـ”أزمة الثقة” بين الدولة والشارع، التي تخلق مزاجاً اجتماعياً سلبياً وحادّاً نحو أي قرارات اقتصادية صعبة.

“أزمة الثقة” تُضعف من مصداقية أي مبرّرات تسوقها الدولة لإقناع المواطنين بضرورة رفع أسعار الكهرباء وبخطورة الأزمة المالية وانعدام السيولة في يد الحكومة، وبما قد يترتب على هذه الأزمة في حال عدم التعامل معها من انهيار في الاقتصاد الوطني، ما يضرّ بالجميع.

كان من المفترض أن تؤدي الانتخابات النيابية المبكّرة التي جرت إلى رد الاعتبار لصورة مجلس النواب ودوره بوصفه جسراً للعلاقة بين الحكومة والشارع، لرأب الصدع مع الشارع. لكن النتيجة أنّ المجلس الحالي لم يستطع الخروج من الصورة النمطية، ما يبقي “الأزمة السياسية” قائمة!

المعضلة التي تواجه الحكومة اليوم أنّها تتعامل مع مجلس نواب مصاب بحالة من “الشيزوفرينيا” ما بين البحث عن “الشعبوية” لتغيير الصورة النمطية والهروب من شبح ما حدث مع مجالس سابقة، وفي الوقت نفسه السعي وراء المطالب الشخصية والخدماتية من أجل القواعد الانتخابية (المنبثقة عن الدوائر الفرعية والصوت الواحد)، وفي الوقت نفسه توجد “معادلة” مختلفة مع الشارع المحتقن، لا صلة لها بما يدور ما بين النواب والحكومة!

كم كان خطوات إصلاحية توافقية جديّة تؤسس للانتخابات الأخيرة ستوفّر علينا من جهود وتختصر من مسافات وتحل من مشكلات، وتحدّ من المخاطر والتهديدات؛ فأيّ فرصة سانحة أهدرناها!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: