بوادر فتنة تحت القبة

بوادر فتنة تحت القبة

جمانة غنيمات

من أكثر القضايا التي طرحها النواب خلال جلسات الثقة بالحكومة، وولّدت شعورا بالخوف والقلق، تلك المتعلقة بملفي التجنيس وسحب الجنسيات (الأرقام الوطنية). إذ كان حال النواب أشبه بمن يحمل سكينا يمزق بها أوصال هذا المجتمع، ويزرع الفرقة بين مكوناته.
ويُسجل على مجلس النواب السابع عشر أنه يشهد اصطفافا وانقساما على أساس الأصول والمنابت، بدون أن يخجل من الأردنيين على اختلاف جذورهم! وهو يقدم باسمهم مطالب لا تفضي إلا إلى تقسيم المجتمع، وتهشيم وحدته، من خلال لغة تزيد ضبابية العلاقة الأردنية-الفلسطينية.

ما رُصد خلال الأيام القليلة الماضية يُظهر أن النواب انقسموا إلى فريقين، نصّب كل منهما نفسه ناطقا رسميا باسم الفئة التي يتحدث عنها، وحالهم كالإخوة الأعداء؛ يقاتلون بعضهم بعضا، بدون حساب لانعكاس حديثهم على بنية الدولة.

ونسي الفريقان أنهما يدمران الوحدة الوطنية، ويزرعان فيها قنابل موقوتة؛ إن انفجرت مزقت أوصال هذه الوحدة، رغم أنهم نواب الشعب كل الشعب، وليسوا نواب طيف دون آخر، والأولى بهم التعبير عن طموحات وتطلعات جميع الأردنيين.
الخطاب النيابي كان اقصائيا من الطرفين، بلا مراعاة لخطوط حمراء طالما التزم بها الأردنيون، من مختلف الأصول والمنابت، احتراما للآخر.

في النهاية، الفريقان مخطئان، لأنهما لم يعبرا عن طموحات المجتمع كاملا، ولم يكلفا نفسيهما إجراء دراسة معمقة لما يطلبه الأردنيون. وهكذا اصطف كل منهما خلف أجندته، مسقطين من حساباتهما خطورة مثل هذا الخطاب الإقصائي والانقسامي على العلاقة بين مكونات المجتمع.

مخاطر هذا الخطاب تتعاظم في ظل الظرف السياسي الصعب الذي تعيشه المنطقة، والذي يتطلب العمل على تقوية الجبهة الداخلية لا تفتيتها، لمواجهة التحديات التي تحيق بالبلد، والتي تتطلب اصطفاف أبناء الأردن، من مختلف الأصول، خلف جبهة الوطن.

لو أن الكل اتفقوا على أن سحب الجنسيات مستنكر لأسباب كثيرة، وأن التجنيس أيضا مرفوض لأن فيه قفز على الحقوق التاريخية وتصفية لقضية فلسطين التاريخية، لما شهدنا مثل هذا الخطاب التحريضي الذي ينخر في أمن البلد واستقراره.

ألم يدرك النواب الأفاضل، على الطرفين، ممن أمطرونا بمخاوفهم من التجنيس وسحب الجنسيات، أي فعل قبيح يأتون! فطالما أنهم نواب الشعب، فمن الأولى أن يفتحوا هم هذا الملف الشائك ليوضع على الطاولة، وأن يتم الحوار حوله والتوصل إلى نتائج تسهم في حله، بدلا من تبادل الاتهامات بسحب الجنسيات والتجنيس وتمرير مخطط الوطن البديل.

الفريقان يظنان أن تقديمهما لخطاب متطرف يصنع لهما شعبية يبحثان عنها! ولم يعلما أن الجميع سيدفعون ثمن هذا الخطاب، لأن فيه لعبا على وتر الوحدة الوطنية الحساس، والذي طالما كان من السهل التلاعب به.

كنا تنمى أن يقدم لنا النواب خطابا يرتقي عن صغائر الأمور، فيفكروا في خطاب وحدوي يجمع الناس لا يفرقهم، ويسعوا إلى مأسسة العلاقة التاريخية، بما يحفظ الهويات التي قد تصبح قاتلة للدولة في غفلة من نوابنا الكرام.

العلاقة الأردنية-الفلسطينية ملف مركب، وطالما كان الحديث حوله يجري في الغرف المغلقة. واليوم، صار علنيا ويتم تحت قبة برلمان الشعب، إنما بلغة تفريقية تحريضية مرفوضة، لن تجلب مكسبا لأحد. فالكل خاسرون طالما أن صوت العقل والمنطق غائب في الحوار حول هذه القضية المصيرية.

كان من المجدي تقديم مشروع وطني يقوم على دولة المواطنة لا المحاصصة والفرقة، أوالحقوق المكتسبة، ويرتكز على إقامة دولة مدنية تحفظ الحقوق وتبيّن الواجبات، إحدى أهم دعاماتها تكافؤ الفرص والعدالة، بغض النظر عن الأصل والدين، وفي ذلك خير للجميع.

jumana.ghunaimat@alghad.jo
الغد

  • جمانة غنيمات
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: