عدنان ابو عودة ..ورحلته من حزب التحرير الى المخابرات فالديوان الملكي – الجزأ الاول

 

عدنان ابو عودة

الصوت – بالتزامن والاتفاق مع موقع اخر خبر – رجل بحجم عدنان ابو عودة لديه الكثير ليقوله خاصة في هذه الاوقات التي بدت فيها الرؤية غير واضحة .. تحدث عن علاقته وملازمته للحسين بن طلال رحمه وعن العلاقة الاردنية الفلسطينية وعن رؤيته لافاق المستقبل .

• هل أنت على خلاف مع النظام ؟

– لا لا أنا لست على خلاف مع النظام . أنا متقاعد ولست عضوا بأي شركة أو مؤسسة . أخذ راتبي التقاعدي وسعيد بما قدمت. قابلت الملك قبل الإنتخابات النيابية بخمسة أيام في بيت مروان القاسم . قلت الكثير ضمن إطار حماسه – أي الملك –  بإنشاء حكومة برلمانية . ولكن كان من الصعب البدء بها . قلت لجلالته لا بد من التشديد على وجود أحزاب سياسية ” غير أيدولوجية “  .  الأحزاب المؤدلجة جربناها منذ الخمسينات ومشكلتها بأن كل حزب يعتقد بأنه يحتكر الحقيقة . وكانوا يجيشون في السابق للوصول للحكم . فيصبح الحزب الواحد المسيطر على الحكم إمتدادا  للديكتاتورية بين الناس . ليست أحزاب وطنية تتنافس على تداول السلطة ضمن برنامج . لانتخاب برامج وليس أيدولوجية وحقائق مطلقة . والشعب يكون هو الحكم في النهاية وقد يجرب غيرك من خلال الإنتخابات . علينا أن نبدأ من جديد بتأسيس أحزاب سياسية وطنية تتنافس على الحكم  .  لدي الكثير حول هذا الأمر .

• هات ما عندك .. ما هي هذه الأفكار ؟

– دعونا نكلف جهة معينة بتأليف “برلمان موازي ” من أصحاب الخبرة والتجربة السياسية المتميزة ..سمه ما شئت ” مجلس حكماء ” مثلا  . تأتيه مشاريع البرلمان . لتذهب نسخة مما يقدم لمجلس الأمة . ويعطى هذا المجلس وقتا في التلفزيون الأردني والإعلام الرسمي  بحضور مثقفين وصحفيين . قد يستفيد مما يقال عبر وسائل الإعلام لاحقا بعض النواب حديثي التجربة والخبرة وبعض الناس. العملية التثقيفية يؤتى ثمارها حين تكون تراكمية .لا بد من طرح أفكار للعودة الى الأحزاب الوطنية .

• أليس هذا دور مجلس الأعيان ؟!

– لا … لمجلس الأعيان دور مختلف .. مجلس الحكماء دوره يكون تثقيفي ويعكس تجاربه العملية وطروحاته للجميع بما فيهم النواب والسياسيين والمثقفين والعامة .

• هل أنت راض عن مجلس النواب الحالي ؟

– لا طبعا … ولكن يتوجب علينا التعامل معه فهو خيار الناس بالمحصلة ودستوري حسب القوانين المرعية  ..بالمناسبة لا زال البعض ينصحني بتشكيل حزب سياسي

• ولكنك أسست حزبا بداية التسعينات..

– نعم صحيح ومن عطله في حينه  هو  جهاز ” المخابرات ” .. وقد أخبرت جلالة المغفور له الملك حسين بذلك في حينه . الملك عبدالله الثاني صادق مع نفسه ومع الأخرين و يطالب بالأحزاب .. لنتذكر أن خوف الستين عاما لا زال مزروعا في الناس . قال لي أحدهم إفترض يا أبا السعيد بأننا إنضممنا لحزب . وغيرت الحكومة رأيها . سيضعوننا في السجن ؟!!

• ما هو الحل ؟

– أنا برأيي أن الحل يكمن بإعادة الأمور الى نصابها الصحيح ..نعود الى الديمقراطية بمقوماتها الحقيقية . النظام نفسه مع الإصلاح .. هذا ما قاله الملك  بلقائه مع ” الأتلانتك “  بأن هناك قوى داخلية تعمل ضدي . بعد الضجة غير المبررة إياها شرحت لهم ماذا يقصد الملك ب  “الديناصورات” كمفهوم لغوي غربي . كان الملك في لقائه الجريء يخاطب العقلية الأمريكية .

• هل تتم إستشارتك حاليا من قبل الديوان أو الحكومات المتعاقبة ؟

– لا أبدا أنا متقاعد ولا أتصل بأحد إن لم يتصلوا بي …

•ما هو تقييمك للحكومة الحالية ؟

– أبا زهير شاب ذكي وقمت بتدريسه درسته لعامين شاب وطني حقيقي ويريد الإصلاح . خلفيته لا تسمح له إلا أن يكون إصلاحيا . لكن هل سيسمح له فريقه و”السيستيم” بذلك . بعد الثقة سيكون أكثر على الحركة الآن . أكثر رئيس وزراء في عهد الملك عبدالله قادر على محاكاة عقول الناس . برأيي هو أحسن من خاطب الناس حتى الآن … المرحلة صعبة بالنسبة له . بمعرفتي له فأنه من أهم من يصلح لهذه المرحلة . ويظل الأهم هو كيف ستتحرك من إدراك الواقع. وماذا تريد .. وكيف ستصل لذلك . لا أشك بمقدرته على إدراك الواقع .

•ما حكاية قصيدتك التي ” حرفتها ” عن “الأي باد” كما سمعنا من مقربين منك ..

بعد علاقتي غير العادية حاليا مع جهاز الأي باد قمت بتحريف بيت الشعر المعروف ليصبح كالتالي :
وخير مكان في الدنى سرج سابح 
وخير جليس في الزمان ” إيباد “

• كيف تنظر لهذه الثورة التكنلوجية والمعلوماتية الحالية ؟

– هناك من قرر أن يخترع ألة الآحتراق الداخلي فقرر إحتلالنا لمدة 100 عام . يا سلام كم أحترم هذا العقل البشري .
طبعا لا يخلوا الأمر من قراءة كتاب بين الفينة والأخرى . لا أتوقف عن ذلك .

• لطالما تحدثت في مقابلات إعلامية سابقة عن “الظلم” كمفهوم  .. من الذي ظلمك وقد وصلت لكل هذه ” المناصب ” يا أبا السعيد ؟!!

– كان لأبي قصة مع الظلم .. ولأمي قصة أخرى . أبي كما أسلفت كان يعمل عاملا في مصنع صابون . كانت الظروف قد بدأت تصعب بعد الإحتلال حيث كان توزيع الصابون للدول العربية ولكن الحدود أغلقت . وأغلقت المدارس لاستقبال اللاجئين من الساحل . كان أبي يشكو – طوال الوقت – بأن أخاه الكبير قد حرمه من الميراث وكنت أستمع له كطفل صغير وشاب يافع في مقتبل العمر  .. ووالدتي كانت لها قصة ظلم أيضا بعد أن تزوج جدي بعد وفاة جدتي وكانت والدتي صغيرة فحولها جدي الى ” جارية ” فكرهت الظلم . 

أما قصتي أنا مع الظلم فقد تمحورت بالتالي : أخذت السادس على المملكة في ” المترك ” .. كانوا يقولون لوالدي بأن إبنك “شاطر” وبأن الحكومة البريطانية سترسله الى لندن . لم أكن أعرف ماذا يقولون . لم ترسلني الحكومة الأردنية في بعثه في حينه فأحسست بالظلم . حضرت على عمان وكان وكيل الوزارة في حينه “أديب العامري” وأخبرته بأن تحصيلي هو السادس على الممكلة ولم أحصل على بعثة . قال لي أنت لا لا تستحق هذه البعثة. قلت له : لماذا .. هل لأنني من “نابلس” ؟!! .. غضب ورد :” إسمع يا ولد إن لم تخرج من مكتبي سأطلب لك الشرطة “.

• يوجه لك رفاقك الشيوعيين اتهامات بانك كنت اختراقا مخابراتيا للحزب خلال عملك في الكويت ما هو تعليقكم على هذا الاتهام ؟

– لك أن تتخيل .. شخص كان في الحزب الشيوعي وبعد خمس سنوات يصبح في المخابرات … لفقوا لي هذه التهمة بأني كنت مزروعا . المشكلة أيضا بأن المغفور له الحسين حين علم بأني أعمل مع المخابرات و بعد أن علم بأني كنت شيوعيا خشي أن أكون من المزروعين  في جهاز المخابرات فطلب مقابلتي . 

كنت قد تركت الشيوعية في اواخر ال58 ودخلت المخابرات بعد 6 سنوات . إكتشفت بأني لا أصلح أن أكون حزبيا . لا أريد لأحد أن يفكر عني . أنا أول من دخل حزب التحرير في مدينتي نابلس قبل أن أذهب للشيوعية التي قضيت بها 4 سنوات فقط . لا أصلح أن يفكر لي أحدهم . كنت أول من دخل حزب التحرير في نابلس وأصغر المنتسبين لهذا الحزب . 

• كيف إنتسبت لحزب التحرير ؟

– كنت في الثانوية بأخر عام 51 جاءنا طالب منقول من محكمة القدس وسكن حارتنا . هذا الشاب أصبح صديقي إسمه شريف ولاحظ بأني أتحدث كثيرا في التاريخ وأناقش المعلمين . يبدو أنه كان يتحدث لوالده عني . وكان الشيخ “تقي الدين النبهاني” قد بدأ بتأسيس الحزب في حينه . قال لي شريف بأن والده يرغب بالتعرف علي . ذهبت معه وتعرفت على والده وكان هناك شخص أخر يجلس معنا صامتا عرفت بنهاية الجلسة بأنه “داوود حمدان” وهو محامي شرعي في القدس . كانوا يتحدثون معي عن فلسطين . شاهدوا حماسي للموضوع الفلسطيني فقالوا لي بأننا نشكل حزبا إسلاميا لتحرير فلسطين , فأصبحت اذهب كل يوم خميس لبيت جارنا ويأتي المحامي لاعطائي الدرس فانتشر الحزب في نابلس وبعض المدن الفلسطينية قبل إمتداده للوطن العربي . 

• وماذا بعد ذلك وكيف إنعكس عليك هذا النضوج السياسي المبكر ؟!

– حين دخلت دار المعلمين ببعثة حكومية لسنتين .  كان معظم الطلاب تحريريين . بعضهم بعثيين . كان هذا التوجه في حينه الكل منظم سياسيا . كان التحريريين أغلبهم . كان الشيخ عبد العزيز الخياط يدرسنا في دار المعلمين وكان تحريريا أيضا . تخرجت فوظفوني معلما للغة الإنجليزية رغم أن تخصصي هو الرياضيات والعلوم … كانت مخالفة ثانية بعد أن منعوا عني بعثة بريطانيا . قلت لجلالة المغفور بناء على تلك الحادثة بأن هذا الشاب الصغير إن ظلم سيكون أي شيء … كنت أنا ضد الدولة وقمت بالإنتماء لتلك الأحزاب بسبب هذا الظلم .

بقيت تحريريا حتى عام 1955 فتم إنشاء حلف بغداد . وإذاعة “صوت العرب” كان لها سلطة غير عادية في تهييج مشاعر العرب . حزب التحرير كان في حينه ضد هذه المظاهرات لانها من وجهة نظره تنفس الثورة . خرجت المظاهرات وقاموا بقمعها أيام كلوب باشا وتم قتل مجموعة من أصدقائي الطلبة المتظاهرين . سقط حلف بغداد ولكني لم أعد مقتنعا بتوجه حزب التحرير . فتركتهم والتحقت بالحزب الشيوعي . 

إنقلاب العراق في ال 58 وكان معضلة كبرى في الأردن على الحزبيين . فهرب بعضهم الى سوريا والعراق وغيرها من الدول . كنت قد إنتقلت عام 57 الى طولكرم للتدريس في ” الفاضلية “  . فقام الحزب الشيوعي بترفيع كوادرهم بسبب هرب وسجن واختباء القياديين الكبار . فتم ترفيعي في الحزب من عضو خلية لعضو لجنة منطقة . كان رئيسنا في نابلس شخص يدعى ” جورج قواس ” قلت له بعد إنقلاب العراق بأن الحزب كان يشير لثورة العراق ب ” ثورتنا ” قلت له ما دمنا قد نجحنا فلماذا لا تزال الثورة تقتل الناس  ؟!!.

 لم يعجبه نقاشي . قال لي ليس لدي جواب وسأحضره لك في المرة القادمة . اجتمعنا بعد 3 أسابيع قلت له أريد الإجابة على سؤالي . قال لي : هل جبنت يا رفيق . 

غضبت وقلت له ” طز عليك وعلى هيك حزب ” لا أصلح أن أكون تابعا .. هذا هو تكويني الشخصي … وتركتهم الى غير رجعة  . 

ذهبت الى الكويت فجاء لزيارتي في الأحمدي صديق قديم عام 65 وكنت متزوجا وعندي 3 أطفال . أخبرني بأن الحزب يزجيني السلام ويرغب بعودتي . فاعتذرت بأدب .

• التحرير .. الشيوعية .. المخابرات .. ما سر هذه القلبات .. حدثنا عن إلتحاقك بالمخابرات الأردنية  ؟!!.

– كنت لا زلت في الكويت .. أبلغوني بأن والدتي مريضة وبالمناسبة أنا وحيدها وكنت أزورها في الصيف وأزور أهل زوجتي في عمان . أبلغني الطبيب بأن والدتي مريضة بمرض السرطان وهي لا تعلم . فأصبحت أقضي معها وقتا أطول . قالت لي يوما – كما الأمهات جميعا –  بأنني قد أموت وأنت لست بجانبي ..ولأنني أعرف تشخيص مرضها وظروف عملي في الكويت هزتني جملتها الأخيرة .  بعد زيارة نابلس تلك زرت أنسبائي في عمان ” د. هاني شموط ” بيته في شارع المهاجرين . كان يخرج لعمله في الصباح وكنت أنا أخرج لأجلس في مقهى ” السنترال ” .. 

كنت أسير أمام البنك العربي ناداني أحدهم من سيارته بصوت : عدنان … عدنان

نظرت للسيارة فكان صديقي الذي درس معي “محمد رسول الكيلاني” . وكان قد عين في فترة سابقة مدعيا عاما للمحاكم العسكرية وكان من مؤسسي ما يسمي بدائرة المباحث في حينه أو المخابرات الآن . وهو معروف جدا في البلد .. لا أخفيكم من حرجي أن يشاهدني الناس أحادث شخصية أمنية معروفة ركضت للسيارة وركبت بها  . ضحك وأخذني الى مكتبه في الدائرة . وكأي أصدقاء سألني عن أحوالي وظروفي . قال لي بأنه يقوم بتشكيل دائرة جديدة في الدائرة وأضاف : أريدك أن تعمل معي . 

رفضت في البداية . 

قال مستطردا : إسمع يا عدنان أريدك أن تكون بقسم التجسس الإسرائيلي بسبب إتقانك غير العادي للغة الإنجليزية ؟

 لحظات .. فكرت بوالدتي التي تموت في نابلس … ” أم عدنان ” التي كانت تقول لي حين كنت طفلا أنا لا أستطيع القراءة أريدك أن تتعلم حتى تقرأ لي الفاتحة على قبري … وهو ما قمت به بزيارتي الأخيرة بداية الألفية الثالثة لفلسطين ذهبت لقبرها لأبكي . 
أخبرني بأنهم سيقومون بتدريبي 
قلت له مستغربا أنا سألبس الزي العسكري
قال نعم 
قلت له لا أنفع .. أنا كنت شيوعيا .. جن جنونه وقال لي كيف ومتى ؟!!
أجبته:  أتذكر حين كنت تزورني في نابلس حين كنت مدعيا عاما … كنت في حينه شيوعيا .. إحترمت اختيارك أن تكون “رجل مخابرات” عليك أن تحترم خياراتي .
طلب مني أسماء الشيوعيين أصدقائي فرفضت إعطائهم له … 
قال لي أنا الآن أكثر إصرارا على تعيينك  . و سأعينك ملازما أولا بسبب خبرتك . 
قبلت لسببين : أمي لاكون قريبا منها والتجسس لصالح الدولة على إسرائيل .

• كيف كانت سنتك الأولى في المخابرات ؟!!

– عشت في عمان وكنت أزور نابلس نهاية الاسبوع . حتى معركة السموع في 14 – 11 . دخلت الدورة العسكرية التدريبية كأي مرشح جديد  وكنت أكبرهم سنا في حينه . وكتب المدرب لأبي رسول بأنني كنت كثير النقاش ومحلل سياسي من الطراز الرفيع . فغير مدير المخابرات رأيه وعينني في دائرة التحليلات السياسية والتقارير الصحفية ومن هذه التقارير كان لدي القدرة لقراءة الميول والإتجاهات . بعد التقرير الثالث قال الملك لأبي رسول : التقارير تغيرت وأصبح مضمونها مختلفا .. فظن مدير المخابرات ” مديري ” بأن التقارير الجديدة لا تعجب الملك . ولكن الملك أخبره بأن التقارير فيها تحليلات مختلفة للأفضل وبأنها أكثر موضوعية ما سابقاتها . أخبره الجنرال الكيلاني عني فطلب جلالته لقائي . فكانت أول مقابلة . ونحن بثقافتنا الفلسطينية قد نختلف بتكويننا عن الكثير من الدول العربية إذ لم يحكمنا حاكما من قبل وإنما الإنجليز بعد “سايكس بيكو”  . لذلك فإن مقابلة المسؤولين لا تخيفنا وترعبنا كما البعض .. فكنت أتحدث معه باحترام كملك وكنت أتحدث بأدب وأريحية تامة ولكن دون خوف فأحس كما أخبرني لاحقا بأني مختلف  . فأصبحنا أصدقاء . 

بعد ال 67 كثرت تلك اللقاءات وكنت أكتب بتقاريري الميول , وكان الملك يرى بأن توقعاتي قد تحققت . فأصبح كلما زار الدائرة يجتمع مع الجميع ومن ثم يطلب من المدير أن يدعوني لوحدي فاجتمع به بمكتب المدير  . وكنا نحادثه بالإتجاهات ووجهات النظر المستقبلية وتصوري الخاص لما ستكون عليه الأوضاع . 

• معلوماتنا بأنك قدمت إستقالتك من المخابرات بعد حرب الكرامة ؟

حدث هذا في عام 68 كان جلالته  سعيدا بانجازات “حرب الكرامة ” . وحين طلب رأيي قلت له في حينه بأني لاحظت في العشرة أيام الماضية بأن “إعلام أبو عمار” يعمل على تجيير النصر له وللفصائل الفلسطينية دون ذكر لدور الجيش الأردني . ويبدو أن الحكومة الأردنية غير واعية لما يجري . لا تصريحات ولا ردود على هذه الإدعاءات . وأضفت في حينه: ” إن بقي الوضع كذلك سيهتز عرشك خلال عامين” . 

غادر جلالته المكتب شبه غاضب ولحق به محمد رسول الكيلاني ليوصله لسيارته . ثم عاد لمكتبي وعاتبني كجنرال كبير صائحا هل يعقل أن تقول للملك بأن عرشه سيهتز ؟!! . 

بعد أن أنهى غضبه قمت وبهدوء بلملمة بعض حاجاتي الشخصية من المكتب و قدمت إستقالتي . 

قال لي .. ولم تقدم إستقالتك؟!!

قلت له بأني كنت أعتقد حتى اللحظة بأني ضابط مخابرات ولكنكم تبحثون عن مهرجين . وأنا لست مهرجا … ليست مهمتي على اية حال أن أضحك الناس أو اغضبهم . قمت بدوري الحقيقي أمام الملك . صراخك في وجهي لا يعجبني وأنا رجل ذو كرامة ولن إقبل إهاناتك لذلك أقدم إستقالتي.

ظروف البلد ذهبت بالطريق الذي حددته وكعادته الملك كان يراقب ما يجري . فعاد الى الدائرة وطلبني بعد أسبوعين . وقال لي بأن الأمور تسير بالطريقة التي تحدثت عنها . 

في تلك الفترة تقاعد أبو رسول وجاء مضر بدران مديرا جديدا للدائرة الذي أخبرني بأن جلالته يرغب بإرسالي في دورة حرب نفسية متخصصة الى بريطانيا . تم إستقبالي في الكلية الحربية وتم إستضافتي في قاعة محاضرات وكنت لوحدي في الدورة وقاموا بعرض فيلمين على ” البروجيكتر ” سألني المحاضر عما كان الفيلمين . قلت له عن حرب السويس أحدهم لبريطانيا والأخر من إنتاج مصر . قال لي ما رأيك في الفيلمين . قلت له الإنتاج المصري كان أفضل من البريطاني . قال لي لماذا هل لك أن تكتب لنا الأسباب . حين قرأها قال لي هل تعلم لم أنت هنا . أنت هنا لتعلم هذه الأسباب . أنت لست بحاجة لتلك الدورة . ستتناول معنا وجبة الغذاء وستعود للأردن . 

• يقال بأنك أكثر من قضى مع جلالة المغفور له ساعات عمل بين أقرانك . 

– مجموع ما قضيت مع جلالته 8 سنوات و3 اشهر دون إنقطاع , وهي أطول مدة لشخص يخدم في معيته دون إنقطاع . وهو ما جعل البعض يشعر بالغيرة والخوف من هذه العلاقة . إسمع يا محمد أنا عمري الآن 80 عاما وأدعي بأن لدي الكثير من الحكمة . كان البعض يخشى جلالته ولكنه كان يحترمني وقريب مني لاني لم أطلب منه شيئا . وكنت ولا زلت أعتقد بأنه كان رحمه الله لا يخيف مستشاريه . لا يضطرك بأن تنافق وإسماعه ما يحب سماعه . كان يطلب من الجميع أن يقولوا كل ما بالهم . ولكن بعضهم كان يخشى الحقيقة . كنت أقول له بأنك صاحب القرار أنا فقط أقول ما لدي بلا خوف ولا رغبة بإرضائه وكنت أقول ما أعتقد بأنه مصلحة للوطن .

• بدايتك كانت في حكومة عسكرية اول مرة. وفي ظروف ايلول الشهير. واحداث الشعب الداخلي حينها. وكنت جزءا من غرفة عمليات الدولة ضد التنظيمات. اليوم.، أين يقف ابو السعيد من الدولة وغرفة عملياتها في التعاطي مع ذوي الاصول الفلسطينية؟

– أنا دافعت عن الدولة عام 1970 … ونجحنا بحمد الله … التطورات التي حصلت في المنطقة تبرر موقفنا في حرب أيلول . إنقاذ الدولة كان شيئا مهما . معظم الفصائل تشكلت من الأحزاب الأيدولوجية وليست من فتح وهو الحزب الوطني . القانون وحفظ النظام أمر أساسي في أي دولة . من يمتلك بأنه يملك الحقيقة فهو لا يسكت حتى يتم القضاء على النظام . ولو عاد التاريخ سافعل نفس الشيء

• الانطباع السائد انك كنت الاكثر تشددا تجاه العلاقة مع منظمة التحرير خلال توليك وزارة الاعلام !!

– هذا كلام غير دقيق . كنت وزير الإعلام وكان هذا عملي ولم يكن متشددا . كانوا هم وسوريا والجزائر ومصر وحتى الكويت . وكانت المعركة السائدة في المنطقة العربية هي المنطقة الإعلامية بين الأردن المتهم بما سمي بالمجازر والجرائم التي أخرجت الفدائيين . من سيقود المعركة الإعلامية .. وزارة الإعلام التي كنت أرأسها . فطلب مني بعدها أن أكون وزيرا مدنيا .

• هل من ذكريات عن تلك الحقبة ؟

– عند إلقاء القبض على أبي جهاد وأبي إياد وإبراهيم بكر وشخص أخر لا أذكر إسمه … أخذني مدير المخابرات في حينه لزيارتهم في مكتب وضعوا لهم فيه بعض الأسرة ولم يتم سجنهم .. قال لهم المدير هذا هو خبيرنا الأمريكي الذين تتحدثون عنه – كان إعلامهم يتهم الأردن في حينه بجلب خبراء أمريكيين لادارة الأزمة – كان موقف أبو جهاد وإبراهيم بكر عاديا لكن أبو إياد ويبدو بحكم – غزاويته – قال لي أعرف عنك منذ أيام الكويت وأنت وطني ومحترم وهذا بحكم علاقة أهل غزة بالعلاقة مع مصر الحاكم والمحكوم  . 

• قلت في تبرير موافقتك على المشاركة في الحكومة انه ” إذا تغير النظام بالأردن فستنتهى فلسطين لأنه حينئذ ستقول إسرائيل أن الأردن أصبحت فلسطين ” هل توقف اليمين الاسرائيلي عن هذا الطرح ؟؟..وهل تعتقد بان هذا الخطر بات بعيدا عن الاردن بعد 40 عاما من قبولك بالمشاركة ؟؟

– لو خسرنا المعركة في عام 70 لكانت الحجة أمام إسرائيل هائلة بأن الخطورة ستصبح بتجمع العراق والدول العربية في الأردن وستخرج الفلسطيين من الضفة للأردن  . نحن ندرك بأن تصرف إسرائيل في الضفة لم يكن تصرف بأنها دولة محتلة وإنما دولة قامت بتحرير أراضيها من الأردن . كان لديها خطة جاهزة لحكم ذاتي مؤقت بعيدا عن الأردنيين . فالتقت بأعيان فلسطين بعد 3 أيام على إحتلال 67 ضمن عقلية بأن ما يفعلون هو ” تنازل ” ا من قبلها بترك الفلسطينيين ليعيشوا على أراضيها . الكلمات مهمة جدا في صياغة العقود .. خصيصا تلك السياسية منها. 

• ذهبت الى ياسر عرفات وابو جهاد لتوقيع اتفاق ثنائي خلال الثمانينيات ولكن ولكن الزعيمين الفلسطينيين رفضا الاتفاق وكان ابو جهاد الاكثر تشددا في رفضه باعتقادك لماذا وضعت منظمة التحرير حدا للتنسيق مع الاردن في ذلك الوقت ؟

– لم يكن لي علاقة شخصية مع المنظمة وإنما علاقتي الرسمية . كنت في حينه في الديوان الملكي . وحين فشل أبو عمار في بيروت وبعيد ذهابه لتونس أحس بالغربة لبعده عن فلسطين . فساعدناه أن يقيم المؤتمر الوطني الفلسطيني في 84 في عمان . وأذكر بأني من كتب لقاء الملك في هذا المؤتمر . كان أبو عمار يعلم باتصالات الملك السرية مع الإسرائيليين واكتشف المغفور له بأنهم لن يتنازلوا عن الأرض . وحججهم الكبرى كانت الأمن وبأنهم لا يثقوا بعرفات . كان الحل أن نؤجل هذه الحجة لديهم خصيصا بعد إزدياد الحركة الإستيطانية وكنا نحس بخطورة مرور الوقت وازدياد المستوطنات . والملك كان أيضا يخاف من عامل الوقت . إعتقدنا في حينه إن تمكنا أن نصبح شركاء في إسترداد فلسطين منهم عبر مفاوضات سليم وتقديمها للمنظمة ضمن كونفدرالية لسحب حجة الأمن من إسرائيل وكلفت أنا من الملك وخالد الحسن من قبل أبو عمار فأنجزنا ما سمي باتفاق شباط عام 85 وقلنا لاعطاء هذه الإتفاقية البعد الواقعي والعاملة تشكيل وفود مشتركة تذهب للدول الخمس في مجلس الأمن . قبل وصول هذه المرحلة كان أبو عمار يغير الإتفاقية وقمنا بتعديلها … وقمنا بطباعتها حسب التعديلات الأخيرة وكلفني الملك أن أزوره في بيت الضيافة لتوقيعها بعد توقيع الملك عليها .. طلبت منه أن يوقع .. دخل ابو جهاد للغرفة وأومأ لأبي عمار فقال الأخير لا أستطيع أن أوقع الأن ولا بد من أخذ رأي زملائنا في الكويت .. قلت له ” إسمع يا أبا عمار … أنا لن أنقل الرسالة عليك أن تتصل أنت مع الملك ” ففعل ذلك وخرج ولم يعد.

كان يهمنا في حينه أن يلتقي الجانب الأمريكي مع قيادة المنظمة .. نسقنا اللقاءات مع ريتشارد ميرفي … ولم يتوصلوا لنتيجة . عندها أعلن المغفور له في خطاب عام 1985 بأنه لا فائدة من كل هذه المحاولات واللقاءات .
لاستيعاب الوضع الفلسطيني تاريخيا . سنتحدث عن حقبة ما بين 67 الى 93 .

الأمم المتحدة في حينه عينت الوسيط الدولي ولكن إسرائيل كعاداتها حاولت ” شراء الوقت ” ..في 72 وبعد أن خرجت المنظمة وأصبح لدينا إستقرار أمني في الداخل . كان الملك يعلم بأن اسرائيل ستبدأ بإخراج الفلسطينيين الى الأردن . فقدم الملك الإقتراح التالي . قام بتشكيل لجنة لدراسة مقترح ما سمي في حينه ” المملكة العربية المتحدة ” لتشكيل “فيدرالية” بين الأردن وفلسطين . كنا نفكر هنا في الأردن إيجاد حل وسط لأن أبو عمار كان يريد الضفة بالكامل . تم رفض الاقتراح من 3 أشخاص هم أبو عمار وجولدمائير والسادات . رفضه السادات تقربا للمنظمة ..رفضته إسرائيل لقناعتهم بأن الأردن تريد الأرض لاعطائها للفلسطينيين . أما أبو عمار رفضها لقناعته بأنه يستطيع تحريرها .. وأعتقد شخصيا بأن سبب هذا الموقف هو ثقافته عن الصهيونية ” ثقافة ضئيلة ” …

وهنا بدأ الأردن يفكر بطريقة مختلفة .. حل المعضلة عن طريق فلسطينيين من الداخل ” البلديات ” وإحضار احد خصوم أبو عمار لادخاله كإسم فتم إختيار ” أبو الزعيم ” الذي سكن في حينه داخل عمان .. وبدأ بزيارة المخيمات . دخلنا للتعامل معهم عبر خطة تنمية إقتصادية لمساعدتهم . كل هذا حصل بعد عناد وتصلب ومراوغة مواقف المنظمة في حينه .. أثناء هذا الوقت حصل ما لا نتوقعه .. الإنتفاضة الأولى وهي ما أوصلتنا ل ” فك الإرتباط القانوني والإداري ” عام 1988 .

* يتم نشر هذا اللقاء بالإتفاق والتزامن مع مجموعة من المواقع الإلكترونية الأردنية …الجزء الثاني من لقاء معالي السيد “عدنان أبو عودة ” خلال أيام .. إنتظرونا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: