“المرأة بين التنظير الجندري والفتاوى” بقلم بسام عورتاني

يستفزني دائماً تركيز شقين إثنين من التوجهات “التنظيرية” على قضايا المرأة بالتحديد. (الشق/ التيار “الجندري” أو “النسوي”/ وأصحاب “السلطة الدينية” )  فيذهب الشق الجندري – النسوي والذي يتبنى مفهوم الحرية كمبدأ لتحديد المواقف من السلوكيات بناء على علاقة إنسانية بحته على حد إدعاءه والذي يصل إلى حد التطرف ضمناً أثناء الحديث عن قضايا حرية النساء وما إلى ذلك من قضايا ملتصقة بهن، ويصل لدرجة تمييع قضاياهن من خلال فصلهن بنيوياً عن عملية التنمية المجتمعية. والأكثر من ذلك وجود مختصين/ات بقضايا المرأة يعانون من حالة إنفصام جندري بالأساس حيث لا يطبقون مبادئهم/هن الحقوقية الجندرية إلا على أبناء بيتهم/ن من الدرجة الأولى فقط.

 أما الشق الثاني والذي يعبر عن السلطة الدينية وعن صلاحيات الفتاوى، نجدهم يستهدفون النساء بفتاوى متواصلة لا تغني ولا تسمن من جوع تثبت إلى حد ما السلبية المحاطة بالفكر الديني عموماُ وتُقر من جهةٍ أخرى بسذاجة تفكير أصحاب الفتاوى وضيق رؤيتهم. وعليه أستشعر بوجود إتفاق ضمني بينهم (أصحاب الفتاوى) وبين الشق الأول (النسوي/ الجندري) على أن يتم تحويل الصراع الإجتماعي والثقافي وحتى السياسي نحو التصارع على تمثيلية قضايا المرأة على إعتبار أنه تم إيجاد الحلول لكل القضايا الأخرى ولم يتبقى إلا قضايا المرأة. فمرة تحريم ومرة اخرى تشهير ومرة لاحقة تكفير وأخرى إعادة إنتاج سلطة الأب/ الذكر عبر قهر النساء، وأخرى تحقير الكبت الجنسي على إعتبار انه حالة توحش مع العلم أن أساسه يكمن في تعقيد طقوس الزواج وقلة الوعي الجنسي على حدٍ سواء.

ومن ناحية أخرى إذا كانت التخصصية في أداء المهام والوظائف داخل المؤسسات العامة والخاصة تعطي فرصة التشارك في تنفيذ الخطط والمشاريع على المستوى الوطني، وترفع مستوى كفاءة العمل ونوعية الأداء، فإن التخصصية لدينا أخذت منحها عنصري وإنحيازي للقضايا التي تتبناها تلك المؤسسات (الدينية/ الأهلية) لتستبدل تلك المؤسسات من خلال عملها مفاهيم التشارك وتقسيم الأدوار داخل الحيز الإجتماعي العام من اجل الوصول لتنمية شاملة للمجتمع بمفهوم الإنحياز المغلق لقضايا ليست ذات أولوية ولا حتى أهمية في بعض الأحيان.

فالفقر والجهل والفساد والمحسوبية والعنصرية كلها ظواهر يعاني منها المجتمع الفلسطيني بنسائه ورجاله وأطفاله على حد سواء، فالعمل على حلها لا يحتاج لتجزئة جندرية بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما يحتاج لوضع برامج وخطط تسعى لتقليل مخاطر تلك الظواهر وإيجاد حلول لها بالمعنى الجذري للكلمة. فالرجل الجاهل يجذب إمرأه جاهلة مثله والمرأة المفرغة من الحياة تجذب الرجل القادر على التأقلم مع فراغها، والثقافة التي يحملها الطرفان – في هذه الحالة- تستجيب لمثيلها وتكرس عناصرها ليرضي أحدهم الآخر.

كل هذا النقاش يجعلني أتساءل؛  إلى هذا الحد وصلت بنا التجزئة والقسمه ؟؟ لا نجد أي مساحة تفاهمية بين أي فكرين ؟؟ لا يوجد مطالب عامة نستطيع أن نتفق عليها وعلى آلية تطبيقها؟؟ لا يوجد إمكانية لتوفر ثقافة متصالحة مع ذاتها تمكننا من التفاهم على أرضية واحدة ؟؟

هناك فرق بين الإيمان بالحلول وإيجادها وتحقيقها، فلا يكفي أن نتزين بفكر ما ونُنظّر له ونقاتل من يخالفونه ونقصي من كان محايداً له، وبين إيجاد حلول عملية بعيداً عن التنظير وبعيداً عن المبارزات “الفكرية” المتهالكة والتي برأيي بعيده كل البعد عن النقاش الفكري الإنساني البناء. فأن تحترم الآخرين وأن تصدُقهم ولا تَهنهُم وأن لا تظلم ولا تبتز….إلخ كل هذه لا تحتاج لمبارزات تنظيرية ولا مؤتمرات وتوصيات لكي تُكرس. فالتشارك في الحياة العامة المبني على الإحترام المتبادل يحتاج لسلام داخلي ويحتاج لمعرفة متصالحة مع الإنسان والحيوان والجمادات. وهذا الأخير يتكلل بالتحلي بالقيم الإنسانية الفضلى والتي لن تنبني في ثقافتنا الموروثة ما دام الجهل المعرفي يسيطر على سلوكنا، وما دامت آلات السيطرة الرأسمالية تكرس الجشع المأزوم وحب الذات على علّتها، وتعيد إنتاج الفكر العنصري الذي يستند تارةً على أنظمة تدعي الليبرالية وعلى أخرى تدعي الإصطفاء الإلاهي وتطبيق “شرع الله” .

(ملاحظة: كتب هذا المقال بعض متابعة لوسائل الإعلام الفلسطينية والأخبار التي تتعلق بفتاوى خاصة بالمرأة – سواء على المستوى العربي أو على المستوى المحلي –  أو مقالات تناقش واقع المرأه، إضافة لمتابعة بعض نشاطات المؤسسات الاهلية التي تعالج قضايا الجندر والنساء)

* كاتب وباحث فلسطيني

bassam.izzat@gmail.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: