ماذا نفعل بـ”المالكين والمستأجرين”؟ بقلم : جميل النمري


أمس، شهد اجتماع اللجنة القانونية في مجلس النواب عملية عصف دستوري وقانوني بشأن القانون المعدل لقانون المالكين والمستأجرين. فقد كان نواب اعترضوا في الجلسة العامة على دستورية التغييرات التي أجرتها اللجنة القانونية على القانون المعدل الذي أرسلته الحكومة، ما دفع بالمجلس في نهاية الأمر إلى أن يقرر إعادة المشروع إلى اللجنة القانونية لتمحيص الاعتراض، والبحث عن حل، وتقديم رأي حول ما ينبغي عمله.هذه من المرات النادرة التي يتم فيها وقف النقاش حول مشروع قانون بسبب اعتراض البعض على دستورية ما اقترحته اللجنة القانونية من تعديلات. والأصل أن السلطة التشريعية تنهي عملها، حتى إذا أصبح المشروع قانونا، أمكن لأي من الجهات التي نص عليها الدستور أن ترفع إلى المحكمة الدستورية طعنا أو طلبا للرأي في دستورية مواد أو فقرات من القانون. وقد حدث ذلك فعلا في هذا القانون نفسه، والذي كان ينص، وفق الصيغة التي أقرها مجلس النواب السادس عشر، على درجة واحدة من التقاضي لإصدار أحكام قطعية، الأمر الذي اعتبرته المحكمة الدستورية باطلا؛ إذ يحرم الأردنيين من حقهم الدستوري في استئناف الأحكام القضائية.إيقاف النقاش حتى البت في الأمر هو بحد ذاته إشكالية؛ إذ لا يمكن اللجوء إلى المحكمة الدستورية لإعطاء رأي في نص مقترح، لأن المحكمة تصدر رأيا في دستورية نص قانوني قائم، وليس في شيء لم يوجد بعد. ولعل رئيس المجلس ما كان سيوقف النقاش ومسار العملية التشريعية لولا أن قناعته كانت تلتقي مع رأي المعترضين، فكان يخشى أن يمضي قدما في إقرار تعديل غير دستوري.في هذه القضية تتداخل أبعاد متعددة؛ سياسية واجتماعية ودستورية. فقد كانت الحكومة أرسلت تعديلا على القانون يبقي أجرة بدل المثل الذي تقرره المحكمة، لكن مع إضافة رئيس دائرة الأراضي والمساحة ورئيس غرفة التجارة، أو من ينوب عنهما، إلى لجنة الخبرة التي يعينها القاضي. ورأت اللجنة القانونية أن التعديل لا يفي بالغرض، فاستبدلت بدل المثل من الأساس بنسب زيادات دورية على الأجرة، تصدر بنظام عن الحكومة. فاستل المعترضون قرارا قديما للمجلس العالي لتفسير الدستور يقول إن حق مجلس النواب في التعديل لا يمتد إلى إدخال حكم جديد غير ذي صلة بمرامي وأهداف مشروع القانون المقدم من الحكومة.هكذا نشب سجال دستوري وقانوني وسياسي؛ أولا، حول أفضلية صيغة اللجنة القانونية لحل المشكلة بين المالكين والمستأجرين؛ وثانيا، حول ما إذا كانت النسب تمثل حكما جديدا بعيدا عن مرامي وأهداف القانون، أم أنها آلية أخرى مثل بدل المثل لحل المشكلة وتحقيق العدالة والأمن الاجتماعي؛ وثالثا، هل هذا التفسير المتشدد لقرار المجلس العالي ينسجم مع المبدأ الأسمى لولاية السلطة التشريعية، أم يقيدها ويحجمها لدرجة تتناقض مع الدور الدستوري للسلطة التشريعية؟ لقد انقسم الخبراء أنفسهم، وهم قاضيان رفيعا المستوى، وخبير فقه دستوري؛ فأيد اثنان منهم الاعتراض على تعديل اللجنة القانونية بالنسب، وأيد ثالث موقف اللجنة القانونية. ودار سجال دستوري وقانوني معمق كشف عن المساحة الشائكة من التداخل بين السلطات، وهي من وجهة نظري تمد يد السلطة التنفيذية عميقا على السلطة التشريعية. وعند هذا الحد أصبح الأمر بالنسبة لأغلبية اللجنة القانونية قضية مبدئية كبرى؛ إذ سيشكل الخضوع للتفسير المعترض سابقة تؤسس لتقييد خطير على السلطة التشريعية. ثم، فوق هذا وذاك، هناك الخلاف الشائك بشأن مستقبل الأحكام القضائية التي صدرت بموجب نص أفتت المحكمة الدستورية بعدم دستوريته، وهل هناك، بأي صيغة، إمكانية لتصويبها؛ فهنا أيضاً ظهرت اجتهادات شتى زادتنا حيرة على حيرة.jamil.nimri@alghad.jo(الغد)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: