غياب الدراسة الشمولية تتسبب بنتائج مغايرة كما حدث في حجب المواقع -داود كتاب

في أحد جلسات التفاوض العربية الإسرائيلية قبل عقد ونيف وفي فترة راحة فاجئ أحد المفاوضين الإسرائيليين للمفاوض العربي بالجملة التالية: أنتم المفاوضون العرب بارعون وند قوي لنا ولكن هنا تتوقف قوتكم فليس لديكم عمق ولا توجد دراسات معمقة ولا تقومون بفحص كافة السيناريوهات الممكنة في حال قيام هذه الفكرة أو تلك. فكرت بهذه العبارة بعد نقاش مطول مع زملاء من أصحاب المواقع الإلكترونية والذين اجتمعوا لبحث الرد على قرار الحكومة الأردنية بحجب مئات المواقع الإلكترونية. وكان أحد أهم محاور النقاش هو كيف وقعت الحكومة الأردنية بخطأ كبير مثل حجب مئات المواقع بدون أية دراسة معمقة أو محاولة للتعمق في نتائج القرار أو السيناريوهات المتوقعة. وقد زاد من الدهشة أنه يبدو فعلاً أن القرار اتخذ في آخر لحظة وبدون دراسة معمقة. فمثلاً قبل أسبوعين من القرار خاطب رئيس الوزراء حشداً من الإعلاميين الدوليين متباهيا بعد حجب اي موقع ووعدهم باسم حكومة الأردن بضروة التشاور للتوصل الى تفاهم حول المشاكل المترتبة على غياب التنظيم في عمل المواقع. وقبل يومين فقط من القرار تبين أن وزير الشؤون الإعلامية أكد لأحد الزملاء نفس الفكرة التي قالها رئيس الوزراء وهي أن هناك توجهه حقيقي بتعديل قانون المطبوعات سيئ السيط بما يتجاوب مع رغبات أصحاب المواقع و يتلاءم مع المعايير الدولية والتي طالما أكدها الأردن. وطبعاً ما كان على الحكومة لمعالجة الخلل الموجود في وضع المواقع الإلكترونية الإخبارية سوى إعادة قراءة الاستراتيجية الوطنية للإعلام والتي تمت بناء على رغبة ملكية في عهد الرئيس معروف البخيت والتي أعلنت حكومة النسور علناً عن تأييدها. وينص الفصل الرابع من الاستراتيجية ضرورة التنظيم الذاتي للمواقع من خلال الاتفاق على مدونة سلوك وتوحيد عمل المواقع من خلال تجمع نقابي والأهم في الاستراتيجية ضرورة خلق سجل للمواقع الإخبارية حتى يتسنى لمن يرغب معالجة أية مشكلة في المواقع من هوية وعنوان صاحب الموقع. والجدير ذكره أن أصحاب المواقع الأردنية المعارضين لفكرة الترخيص قد أعلنوا في أكثر من مرة عن استعدادهم لتسجيل مواقعهم كما جاء في الاستراتيجية. من الواضح أن شيئاً ما حدث في فرصة نهاية الأسبوع الماضي والذي نتج عنه قرار الحجب المتسرع. فقد يكون أحد أو أكثر من المواقع غير المرخصة قد قام بعمل أساء للأردن أو أضر سمعتها أو أمنها القومي. هناك من قال إن أحداث معان وتخوفات من ردود فعل رفع أسعار الكهرباء قد سببت في اتخاذ القرار المتسرع. ولكن هل معالجة الأمر يوازي خطورته. فمعالجة موقع واحد أو أكثر ممكن بطرق عديدة ولكن ما حدث يعكس محاولة شخص قتل ذبابة مستخدماً رشاشاً. فهل حجب مئات المواقع وتراجع عن وعود دولية ومحلية لمعالجة مشتركة للمشكلة هي أفضل طريقة لتنظيم هذا القطاع؟ والاهم من ذلك ان القرار اتخذ بسرعة وبدون دراسة مستفيضة. السؤال أمام من لم يدرس السيناريوهات المحتملة، هل فكر القائمون على قرار الحجب بما سيحدث؟ هل معقول أن الحكومة الأردنية لم تتوقع الاحتجاجات المحلية والدولية والتي ستزيد في الاتهامات المحلية والدولية أن الأردن فعلاً دولة ليست حرة كما جاء في إعلان مؤسسة فريدم هاوس؟ وهل توقع المسؤولون الأردنيون أن تنجح عمليات الحجب فعلاً في توقف تدفق المعلومات في عصر ثورة المعلومات. فقرار الحجب مثلاً لم يتم تنفيذه عبر أجهزة الهواتف الذكية. كما ونجج العديد من المواطنين الأردنيين الأذكياء بخلق وسائل التحايل على قرار الحجب وتم توزيع تلك الوسائل على العديد من وسائل التواصل الإجتماعي (والتي لم يشملها القرار). خطورة خلق تلك البرمجيات والتي تسمى بالبروكسي خلق جيلاً من الأردنيين الذين تحايلوا على قرار الحجب وسيتحايلون على أي قرار مستقبلي. أخطاء غياب دراسة تأثيرات حجب المواقع تجلى من خلال معرفة أن مئات المواقع غير الإخبارية والتي لم يشملها قرار الحجب قد تم فعلاً حجبها بسبب وجودها على نفس الخادم لأحد المواقع المحجوبة. فقد تبين أن العديد من مزودي الانترنت ال 36 في الأردن لا يملكون التقنيات للحجب المحدد في قرارالحكومة مما اضطرهم للحجب العشوائي الأمر الذي سيترتب عليه خسارة مالية كبيرة وضرر معنوي لصناعة الانترنت في الأردن. والأخطر في ما حدث أن هناك مواقع يجمع عليها معظم الأردنيين أنه يجب حجبها لتحريضها ضد النظام الأردني . فهل فعلاً فكر القائمون على قرار الحجب بان احجب سيخلق جيل كامل يعرف كيف يستخدم البروكسي وبذلك سيتصفح كافة المواقع المحجوب الان والمحجوبة سابقابكلز هل توقع تلك النتائج؟ أم كان قراراً متسرعاً يعكس غضباً من موضوع ما ولا يعكس قيادة سياسية تستعين بخبراء ومستشارين أحياناً يقدمون نصيحة ب ‘لا’ بدل من مستشارين يوافقون على ما يريده المسؤول. نحن بحاجة ماسة الى مأسسة قرارت الدولة وخاصة تلك القرارت التي تترك أثراً طويل الأمد على المجتمع والدولة. ومن المؤكد أنه لو تم التواصل مع أصحاب المواقع الإخبارية بدل من إقصائها دون التشاور معها لكان توصل المسؤولون على قرار يجنب الدولة السلبيات وفي نفس الوقت يوفر للدولة حاجاتها في ضبط هذا القطاع الإعلامي الناشئ والمهم. الأمر لم ينتهِ بعد وإمكانية التشاور تبقى دائماً مفتوحة. * الكاتب أسس موقع عمان نت الإلكتروني عام 2000 وهو إعلامي عربي حاصل على جوائز عديدة وعضو المجلس التنفيذي لمعهد الصحافة الدولي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: