انتفاضة تركيا في الميزان العربي

1

خليل العناني *

الأربعاء ١٢ يونيو ٢٠١٣

لا يوجد مبرر لحالة النشوة التي أصابت نفراً من المثقفين والنشطاء السياسيين في العالم العربي حول ما يحدث في تركيا من احتجاجات ضد حزب «العدالة والتنمية» الحاكم سوى الرغبة في التشفي بالإسلاميين العرب الذين وصلوا الى السلطة خلال العامين الأخيرين. ورغم الفوارق الهيكلية بين الحالتين التركية والعربية، سواء من حيث السياقات السياسية والاجتماعية أو من حيث تجربة الإسلام السياسي في كليهما، فإن البعض تعمد القفز فوق هذه الفوارق من أجل إثبات وجهة نظره بفشل تجربة الإسلاميين في الحكم بوجه عام من دون إعطاء الأسباب. وفي الوقت الذي يتحدث البعض عن «ربيع تركي» فإن آخرين بدأوا في الحديث عن مرحلة ما بعد «الأردوغانية» في تركيا.

صحيح أن أداء الإسلاميين العرب طيلة العامين الماضيين لا يدعو الى التفاؤل، بيد أن التعميم بين التجربتين التركية والعربية يعكس قدراً كبيراً من الاختزال والتعجل في فهم حقيقة ما يجري على أرض الواقع. ورغم التشابه الظاهري بين احتجاجات ميدان «تقسيم» والاحتجاجات التي عمت الميادين العربية طيلة العامين الأخيرين، بخاصة من حيث طبيعة المنتمين اليها من فئات الشباب أو من حيث عدم وجود قيادة موحدة للمحتجين، إلا أن ثمة فوارق مهمة بين ما يحدث في تركيا وغيرها من البلدان العربية. وهنا يمكن رصد خمسة فوارق مهمة جداً بين كلا التجربتين سواء على مستوى حركة الاحتجاجات أو على مستوى العلاقة بين الإسلاميين وخصومهم.

أولا إن ما يحدث في تركيا الآن هو إحدى ثمار «الأردوغانية» وليس العكس. بكلمات أخرى فإن أولئك الذين خرجوا للاحتجاج على تحويل حديقة عامة إلى مركز تجاري إنما استفادوا من مساحة الحرية والانفتاح التي تم ترسيخها طيلة العقد الماضي وأصبحت جزءاً أصيلاً من انفتاح «المجال العام» في تركيا ونتيجة للتحولات والتغيرات السياسية والقانونية التي أدخلها حزب «الحرية والعدالة» على بنية النظام السياسي في تركيا. بل إن المطالبة بإقالة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يمكن فهمها في هذا الإطار. ولوهلة تبدو التظاهرات والاحتجاجات في تركيا كما لو كانت لتحسين وترسيخ شروط الديموقراطية وليس لبنائها أو توليدها من اللاشيء كما هي الحال في دول «الربيع العربي».

ثانياً، في حين شكلت المطالب الاجتماعية والاقتصادية، ولا تزال، مصدر ومركز الفعل الاحتجاجي في العالم العربي، فإن العكس هو الصحيح في الحالة التركية. بكلمات أخرى، فإن الطفرة الاقتصادية التي حققها حزب «العدالة والتنمية» في تركيا والتي جعلت من هذا البلد واحداً من أهم الاقتصادات الناشئة في العالم الثالث، تمثل سبباً رئيساً في حركة الاحتجاجات الراهنة وذلك من زاويتين: أولاهما أنها ساهمت في تشكيل طبقة بورجوازية ناشئة تسعى لاستعادة ما تراه «إرثاً» علمانياً للدولة التركية الحديثة وذلك من خلال إيجاد مساحات جديدة للضغط والاحتجاج، سواء على الشبكات الاجتماعية أو احتلال وشغل المجال العام الذي شغله الإسلاميون الاتراك طيلة العقد الماضي. وثانيتهما، زيادة الوعي بضرورة التلازم بين الليبرالية الاقتصادية من جهة ومنظومة الحقوق والحريات السياسية من جهة أخرى. لذا فإن الجذر الحقيقي لموجة الاحتجاجات الراهنة في تركيا يكمن في الغضب المتصاعد من تآكل مساحة الخصوصية والفردانية عطفاً على ما يراه كثير من شباب المحتجين تدخلاً من الدولة في الشأن الخاص (مثل مسألة القيود على بيع الكحول والعلاقة بين الجنسين وقضايا الفن والثقافة… إلخ). أي أننا إزاء معركة حداثية بامتياز بين نمط ورؤية محافظة تتبعها السلطة، ورؤية أكثر تحرراً وليبرالية تطالب بها هذه الطبقة الجديدة.

ثالثاً، لا يمكن بحال النظر لحالة الاحتجاج في تركيا من نفس الزاوية التي حدثت بها الاحتجاجات في العالم العربي طيلة العامين الماضيين والتي لخصها الشعار الأثير للثورات العربية «الشعب يريد إسقاط النظام»، الذي كان يتردد صداه في كافة أرجاء دول الربيع العربي. فالنظام في تركيا هو سليل الدولة الكمالية الحديثة رغم محاولات «العدالة والتنمية» إعادة تشكيل هذا النظام. ولا تزال الجمهورية بثقافتها وقيمها وطابعها هي الإطار الرئيسي لكل تفاعلات اللعبة داخل النظام السياسي التركي، في حين لا يزال يدور الصراع في العالم العربي حول ماهية وجوهر هذه الجمهورية وما إذا كانت هي الشكل الملائم والأنسب للمجتمعات العربية. بكلمات أخرى، فإن السقف الذي ينادي به شباب «تقسيم» لا يتجاوز ذلك الذي ينادي به شباب الاحتجاجات التي اندلعت في مدن أوروبية أخرى وهو تحسين شروط النظام السياسي وليس إنهاؤه واستبداله بنظام آخر.

رابعاً، وهو الأهم، فإن نجاح النظام في تركيا وليس فشله يمثل الخلفية الأساسية للاحتجاجات الراهنة وذلك على عكس ما حدث في العالم العربي. فالنجاح المتواصل للحزب الحاكم في تركيا قد ترك آثاراً سياسية ونفسية سلبية على معارضيه الذين فقد بعضهم الأمل في إمكان إزاحة هذا النظام عن طريق صناديق الاقتراع. ومن خلال متابعة آراء متظاهري ميدان «تقسيم» فإن ثمة شعوراً متزايداً لدى شباب المتظاهرين بأن النجاح المتواصل لأردوغان وحزبه قد أصابه بقدر من الغرور وتضخم الذات ما يتطلب رحيله أو تغييره. بكلمات أخرى، فإن أردوغان بات على وشك أن يدفع ضريبة نجاحه المتواصل وزعامته لحزب «العدالة والتنمية» طيلة العقد الماضي. وهي حال نادرة في النظم السياسية التي يصل فيها قطاع من المجتمع إلى حالة من الملل نتيجة لفوز ونجاح حزب سياسي واحد مثلما كانت الحال مع حزب المحافظين في بريطانيا تحت زعامة مارغريت ثاتشر ومن خلفها جون ميجور.

خامساً، فإن تجربة الإسلاميين في تركيا تختلف بشكل جذري وأساسي عن تجربة نظرائهم في العالم العربي، سواء من حيث عملية الدمج التدريجي التي جرت لهم طيلة العقود الثلاثة الماضية والتي ساهمت في إنضاج إيديولوجيتهم وخطابهم السياسي أو من حيث قدرتهم على إدارة شؤون الحكم والتعاطي مع تحديات الشرعية. فبعكس الإسلاميين العرب، نجحت أطروحة الدمج والاعتدال في تركيا بشكل ساهم في تطوير خطاب حزب «العدالة والتنمية» بشكل كبير بحيث بات أقرب إلى حزب سياسي محافظ وليس حزب ديني بالمعني الحرفي. ونتذكر جميعاً الانتقادات التي وجهها أردوغان لـ «الإخوان المسلمين» حين زار مصر قبل عام ومطالبته لهم بالتسامح والحوار مع معارضيهم واحترام التعددية. وفي حين نجح حزب «العدالة والتنمية» التركي في ترسيخ أقدامه فى الحكم، فإن كثيراً من الأحزاب الإسلامية لا يزال يعاني من أجل تثبيت نفسه في السلطة وربما لن يتمكن من تحقيق ذلك في الأمد المنظور.

 

 

* كاتب وأكاديمي مصري

kalanani@gmail.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: