اعتراف الجيش بالثورة منع إنقلابا عسكريا أعد له مرسي!

محمد عبد الحكم دياب

July 5, 2013

درس يتكرر من دروس التاريخ ضربه الشعب المصري، وعلينا أن نعيه ونقدمه للعالم بصورة صحيحة، فلم توجد بعد قوة قادرة على هزيمة شعب تحررت إرادته وعقد العزم على المواجهة وانتزاع حقه، وهنا يصعب الحديث عن شرعية تنتظر رصاصة الرحمة؛ فشرعية الشعب تجب شرعية التمثيل؛والتمسح بشرعية ميتة لا يجدي، ويضاف إلى رصيد الأكاذيب والتزييف المعتمد من جماعات كانت دائما مع حرمان الشعب من حقه في الحياة.
لماذا غابت الشرعية والشباب الثائر يلاحق ويُغتال جهارا نهارا في محيط قصر الرئاسة وداخله وبعيدا عنه؟ وأين هي من القصاص لدم الشهداء المعطل حماية للقتلة من بين ‘الأهل والعشيرة’؟
ومع استرداد الثورة لعافيتها بسقوط نهج مكتب الإرشاد وانهيار ‘حكم المرشد’ وهزيمة ‘الأخونة’؛ تستأنف مسيرتها وتنتزعها مرة أخرى من بين أيدي مختطفيها. وهناك تحية واجبة موجهة للشعب العظيم وثواره، وقدرتهم على التصدي لكل سبل العنف والتهديد والوعيد والحرب النفسية، واستجابته وإقباله على ‘حملة تمرد’ لشهرين كاملين؛ احتضنها وحماها من التشويه والتشهير والعدوان، وتمسكه بالسلمية ومواجهته لكل محاولات الفتنة والفُرقة وإراقة الدماء، وهذا أعاد اللحمة إلى النسيج الوطني، وقضى على مأ يفرق بين مواطن وآخر، واستظل الجميع بعلم مصر واختفت رايات الفتنة والفرقة، وهذا هو الذي أفشل مخططات الاستقطاب والترويع لوقف ذلك الزحف المقدس ومنع الخروج إلى الشوارع.
وجاء انحياز القوات المسلحة للشعب وتدخلها وانضمام الشرطة للمتظاهرين، فحمى ظهر جموعه الهادرة وهي تتقدم لإخراج مصر من عثرتها. ومن أجل التركيز على الفكرة مع ذهاب السكرة، فلنطلع معا على شهادة أحد أقرب الناس إلى مكتب الإرشاد، وممن اعتمد عليهم مرسي في محاولته تثبيت أركان حكمه؛ إنه الأكاديمي واستاذ القانون محمد محسوب، وكان مكتب الإرشاد قد اختاره لشغل منصب وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية في وزارة هشام قنديل الأولى.
يقول محسوب في شهادته بأن ‘مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين يتحمل مسؤولية سقوط مرسي، الرئيس المعزول’، وفي حسابه على ‘تويتر’ صباح أول أمس (الخميس) كتب: ‘إن تدخل جماعة الإخوان المسلمين أخّر مرسي كثيرا عن إتاحة فرص حقيقية لبناء قاعدة وطنية تعزل الثورة المضادة، ومطالبا بمراجعة الإخوان للتصرفات التي أدت إلى العزلة عن المجتمع، وقال: ‘يجب علينا أن نراجع مرجعياتنا وتصرفاتنا التي أدت إلى عزلنا عن المجتمع′. وذكر أنه ذهل مما شاهده في مسجد رابعة العدوية من مؤيدي مرسي، ومصدر ذهوله كم السلاح الموجود، مستنكرا ذلك مضيفا ‘ونحن نحتمي بالسلمية’.
وهذه شهادة ليست مجروحة، فهو ‘شاهد من أهلها’، أيا كان رأينا فيما جاء في تفاصيل الشهادة، وهو لا يخل بسلامة جوهرها؛ إنه من ‘آل بيت’ الإسلام السياسي، ومن قادة ‘حزب الوسط الإسلامي’ أحد روافد الإخوان المسلمين، الذي يمدها بالطاقة، ويلبي مطالبها، وينوب عنها في أعمال تمتنع عن القيام بها؛ إما استعلاء أو حرجا أو استطلاعا أو استكشافا وجسا للنبض.
وهل من الممكن ممارسة ما قال به محسوب؟ هذا يدخل في نطاق المستحيل لحاجته إلى ثورة داخلية؛ نفسية وعقلية، تزيح ركاما من الرواسب والعقد؛ ممتد لأكثر من ثمانية عقود، وعلى مدى هذه العقود لم تحدث مراجعة أو نقد للأفكار والممارسات، أو تصحيح أخطاء وتطوير أداء، وغابت عن أدبيات الإخوان مصطلحات المراجعة والتقييم والتصحيح والتطوير، وما تحت أيدينا مجرد كتب ومنشورات لأراء أفراد انشقوا أو اعتزلوا الحياة العامة، وليس بين أيدينا وثيقة معتمدة؛ تتناول تقييما حقيقيا لمسيرة الإخوان، وشذ أصحاب مراجعات الجماعة الإسلامية، لكنهم تراجعوا الآن، واعادوا سيرتهم الأولى، ولم يَخْل خطابهم المذهبي والطائفي من لغة التهديد والوعيد والتكفير والفتنة والدم، وعاد المتقاعدون منهم إلى حياة كهوف ‘تورا بورا’ وشوارع ‘بيشاور’ أو سراديب منطقة ‘سوات’، لكن على أرض مصر، ونستثني بعض عناصر سلفية نأت بنفسها بعيدا.
وهل يمكن للإخوان وحلفائهم أن يتغيروا ويتوقفوا من لوم الآخرين عن فشلهم وعجزهم. وهذا هو جهاد الحداد؛ المتحدث باسم الإخوان المسلمين يُحمل الجيش يوم الثلاثاد الماضي مسؤولية ترك البلاد بلا برلمان أو خارطة طريق دستورية، وكان عليه أن يعترف أنهم تحالفوا مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة طنطاوي وعنان في السنة الأولى للثورة، ودعمه نصرهم في ‘غزوة الصناديق’ واستفتاء 19 مارس 2011؛ استجاب لطلباتهم، إلى أن انتهى الأمر بإغلاق الباب تماما أمام إمكانية تحقيق أهداف الثورة بإصدار مرسي لإعلانه الدستوري الباطل في نوفمبر 2012، وهو الإعلان الذي نعيش تداعياته حتى الآن، فقد حصن قرارات مرسي ضد الطعن والنقض، وأُغلِق الباب أمام إمكانية الحوار بعد أن نصب مرسي نفسه فرعونا؛ لا معقب على ما يقول أو يفعل!!.
ومن يطلع على الرسالة الأسبوعية للمرشد محمد بديع؛ يجده يضع نفسه وأهله وعشيرته في منزلة الأنبياء والرسل، وآخرها رسالته المنشورة الجمعة قبل الماضي قبيل ساعات من الخروج الكبير للمصريين؛ يصف نفسه وأتباعه بأولياء الله، الذين لا يخشون أحدا سواه، وغيرهم فهم أولياء الشيطان، وتحدث عن مؤامرة ‘دُبر لها بليل وخطط لها في الظلام لوقف المد الاسلامي ومنع الصحوة الإسلامية في ديار المسلمين من أن تأخذ مداها، وتقتلع ما سواها، وأن المسلم ليزداد إيمانا وتسليما كلما التف الباطل وتجمع وكشف كراهيته للإسلام’ ومقارنة بعصر النبوة اعتبر ‘الموقف هو الموقف والزمن هو الزمن والحال هو الحال’ بمعنى جاهلية يتصارع فيها الكفر والإيمان، وهو وجماعته منوط بهم حسم الصراع لصالح ‘المؤمنين’ من أهلهم وعشيرتهم؛ بالقتل وإهدار الدماء والفتنة، ولم يقل مرة واحدة بالهداية أو الدعوة الحسنة.
إنه اعتقاد مساو لمعتقدات المتطرفين اليهود، ونظرتهم المتدنية للغير، أما هم فـ’شعب الله المختار’ الذي يستبيح ما لدى غيره؛ من بشر وأرض ومال وتاريخ وثقافة وعلم وثروة، وحين يتمكن يحرم الناس من حق الحياة. وهل من الممكن إخضاع كل هذا للمراجعة والتصحيح؟.
وبيدهم لا بيد غيرهم تحولت جماعة كانت ‘محظورة’ رسميا، ونالت تعاطف المواطن ومنحها ثقته، فنجحت وحكمت وملكت. وكيف لها أن تصبح محظورة من الشعب؟. والحظر الشعبي يضعها في سلة واحدة مع الفاشية والنازية والصهيونية، باعتبارها عقائد عنصرية تعادي البشرية، وغير قادرة على التأقلم والتكيف والتعايش!.
وأما بث الكراهية وتمني الأذى للغير؛ فهذا ناتج أنهم يرون أنفسهم فقط مع أن العالم يتسع لهم ولغيرهم، وقد انكشفوا حين حكموا؛ فظهروا أقل علما وخبرة، وأدنى قدرة ومهارة، وأفقر إبداعا وحكمة، وخلال عامين ونصف العام اكتشف المرء حالة شديدة الغرابة؛ وحدت المتخاصمين، فتركوا خلافاتهم واتحدوا ضدهم، ولا أعتقد أن لهذه الحالة شبيها في التاريخ.
وكشفت تطورات الأيام الأخيرة، شبح عودة ما يمكن تسميته ‘ثقافة الانقلابات’، التي تجاوزها الزمن، وإن بقيت حكرا على مؤسسات الحرب والجاسوسية الصهيو غربية، وتتخذ صورا مغايرة من الغزو والتجسس والاختراق ‘الديمقراطية’ لشق المجتمعات والحكومات والجيوش والصفوف، وقد أحياها مكتب الإرشاد، عندما فشلت جهود مرسي في إقالة القائد العام ورئيس الأركان. وبدأ يعد لانقلاب عسكري، عن طريق الاتصال بقادة الجيوش والأفرع وقادة الصف الثاني، بواسطة رئيس ديوان الرئاسة رفاعة الطهطاوي ونائبه أسعد الشيخة.
والتعرف على الشيخة مهم لعلاقاته ودوره وحجمه؛ خريج كلية الهندسة، ويبلغ 41 عاما، ومن قيادات الإخوان المقربين. ومن قرية ‘العدوة’ نفس قرية مرسي بالشرقية، وكاتم أسرار مرسي الذي يكبره بأكثر من عشرين عاما، وشريك تجاري ومالي للشاطر النائب الأول للمرشد، ومصدر معلومات مهم يعتمد عليه مرسي، وحلقة اتصال بين المرشد والرئاسة، وقدمه مرسي للشاطر، حين احتاج الشاطر شريكا في شركة ‘إم سي آر’ للمقاولات، ومؤسسا لـ’شركة مصر للمقاولات’، ومرسي في مقام خاله، واتسعت دائرة الأعمال المشارك فيها، ومنها شركة ‘الحياة للأدوية’ في الجزائر، ومن المتورطين في قضية العرض العسكري لمليشيات الإخوان المسلحة، مع أحمد عبد العاطي رجل الشاطر في 2006 بجامعة الأزهر، وقد حكم على كل منهما بخمس سنوات سجن، والشاطر بسبع سنوات، وهرب إلى تركيا في 2007 وعاد بعد ثورة 25 يناير، وصدر له عفو خاص، وانضم إلى الهيئة العليا لـ’حزب الحرية والدالة’، وهو لا يفارق مرسي منذ ترشحه للرئاسة.
كان الهدف من الانقلاب العسكري الإطاحة بالقيادة الحالية واستبدالها بقادة من الإخوان، وكان من الممكن أن ينجح، لولا خبرة السيسي كرئيس سابق للمخابرات الحربية، ولما أُبلِغ بما يجري من اتصالات وراء ظهره أصدر أوامره بقطع الاتصالات المباشرة مع الرئاسة، وحصرها مع غرفة العمليات، ومن ثَم رُفض طلب مرسي الخاص بحضور أحد القادة الكبار للتحدث في المؤتمر الصحافي الذي أعدته الرئاسة لتهدئة الجماهير الثائرة في ميادين وشوارع مصر، وفشل مرسي في استخدام صلاحياته كرئيس للدولة لتنفيذ الانقلاب، وفوجئ بتغير ميزان القوى فور اعتراف بيان القوات المسلحة بالثورة، ولم تكن هناك أي جهة في الدولة قد اعترفت بالثورة حتى صدور ذلك البيان الثلاثاء الماضي، وحدثت المصالحة المتوقعة بين الشعب والشرطة، وتم تأمين ظهر الثوار لأول مرة من أقوى مؤسستين تكفلتا بذلك، وهذا سهل كشف عناصر الإرهاب والعنف والبلطجة ويسر إلقاء القبض عليها.
وتشاء الظروف أن أكون في بريطانيا حاليا تحت العلاج من آلام العمود الفقري، التي تمنعني من الحركة، وتجبرتني على الجلوس ومتابعة الإعلام الغربي من مصادره الأصلية، وقد بدا رافضا لإزاحة مرسي، ومن اللحظة الأولى يصف ما جرى بالإنقلاب العسكري ضد ‘رئيس شرعي منتخب’ وهو شئ لم يرد على لسان الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ولا رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون حتى كتابة هذه السطور؛اكتفى كاميرون بقول أنه لا يحبذ تدخل القوات المسلحة، وما يهمه عودة مصر إلى الديمقراطية، ونفس المعنى قال به أوباما، وحتى الانتهاء من هذه السطور لم يرد لفظ إنقلاب على لسان أي مسؤول رسمي في واشنطن ولندن، ومع ذلك أشعر بأن هناك ما يبعث على الارتياب، وسأحاول الكشف عنه الأسبوع القادم بإذن الله.

‘ كاتب من مصر يقيم في لندن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: