سقوط الأخوان المسلمين !

ثريا عاصي

1003147_672104069470666_773160860_n

في مضمار البحث في موضوع السلطة ، تمثل تجربة حكم الأخوان المسلمين لمصر على مدى عام ، نموذجا غنيا بالعبر والدلالات . نظرا إلى أن هذا التيار الديني ـ السياسي ، لطالما كان يطمح إلى السلطة ، التي كانت دوما على رأس أهدافه وتجلت واضحة بأدبياته . يستشف ذلك من العلاقات التي ربطت بينهم وبين القوى الإستعمارية والإمبريالية منذ أن تأسست حركتهم في سنة 1928 .
من المنطق بعد سقوط حكم الأخوان المسلمين في مصر ، أن يحاول المراقب جمع عناصر الإجابة على السؤال ، ما هي أسباب فشل الأخوان في مصر ؟ واستطرادا هل يستطيع الإخوان المسلمون أن يضطلعوا بالسلطة في بلد عربي ؟
لا بد في إطار هذه المقاربة من إيضاح الفرق بين الديمقراطية من جهة والبيعة من جهة ثانية . تقتضي الأولى إعلان موقف من برنامج سياسي ، محدود الصلاحية ، زمنيا وجغرافيا . أما البيعة فانها تـُعطى لشخص يولّى الحكم بتطبيق شريعة دينية مـُنـْزلة وملائمة في كل مكان وزمان . ينبني عليه ان الموقف السياسي وفق المفهوم الديمقراطي والطبيعي يمكن أن يتبدل حسب الظروف ، وعلى قاعدة النجاح والفشل ، والصدق والكذب . على عكس البيعة التي تعني ضمنيا أن المبايَع يحكم باسم الشريعة وقداستها وعلى الجميع الطاعة ايّا كانت الممارسات .
وبالعودة إلى تجربة الأخوان المسلمين في مصر ، ينبغي أن نأخذ بالحسبان أن الإقتراع لصالح مرشح لا يعني بالضرورة الموافقة على برنامجه ، فقد يكون هدف الناخب هو إقصاء المرشح المنافس . من المعروف أن نسبة من الناخبين يشاركون في الإقتراع ليس دعما لمرشح ولكن لمنع منافسه من الفوز ، وهذا تماما ما حصل في مصر .
يجدر القول أيضا في هذا السياق أن الممارسة الديقراطية ، تفترض وجود قواعد يحترمها الجميع ، او بالأحرى يمتنع الجميع عن تجاوزها . كمثل الوفاق على الوطن ، ورفض التواصل مع القوى الإستعمارية أو التعاون معها ، على حساب الرعية ، باعتبارها شريكة في المسؤولية ومصدرا للسلطة !
لقد تكشفت من خلال تجربة الأخوان المسلمين في السلطة ، أمور عديدة لا يمكن برأيي لأي فريق يطمع بالحكم في بلاد العرب أن يتجاهلها ، اللّهم إلا إذا كان يسعى إلى تجزئة بلاده واقتطاع منطقة منها ، تتيح مواردها الطبيعية أو تركيبتها السكانية ، رهنها عند المستعمرين !
1 ـ من البديهي أنه توجد في مصر نخبة فكرية وسياسية وعسكرية . ولكن الإخوان المسلمين ، إعتمادا على فهم خاص بهم ، للدين ، لا يقبلون الإعتراف بأي دور لهذه النخبة في الحيز العام . إذ ليس بمقدورهم الأخذ بأفكار وإقتراحات من خارج مجموعة النظم والخلاصات التي صاغوها . هذا مذهب الحركات السياسية التي تستلهم فكرها من المراجع الدينية ، فتصادر الدين وتستخدمه مطية أو جسرا للعبور الى السلطة ، مضفية عليها هالة دينية ، باعتبارهم أوصياء على الدين !
في الحقيقة يصعب على الأخوان المسلمين التصور أن قراءتهم وتفسيرهم للنص الديني لا يحظيان بإجماع المؤمنين . كما يصعب عليهم أن يمارس العبادات والمعاملات التي شجعت عليها الدعوة المحمدية دون الرجوع إليهم والى من هم على شاكلتهم كمرجعيات دينية .
2ـ مجمل القول في هذا السياق أن الإخوان المسلمين ، يريدون أن يتفردوا بالسلطة باسم شرعية دينية يدعونها ، مشكوك فيها . إلا أن أنصارهم ومؤيديهم ، لا يشكلون أكثرية في المجتمع ، وقد تركز جهدهم ونشاطهم في اوساط المعدمين ضحايا السياسات المشبوهة ، لاجتذاب الأنصار . يمعنى أن الأخوان المسلمين يريدون ممارسة الحكم باسم شرعية دينية ، لم تعط لهم ، وباسم قاعدة شعبية عانت من الظلم والحرمان ، وبالتالي هي غير مؤهلة ، في الظروف الحالية ، لخدمة نفسها والمجتمع .
أغلب الظن أن عدد أنصار الإخوان المسلمين ، تناقص بعد عام واحد من استلامهم السلطة في مصر . فما يطالب به المعدمون ، هو فرص العمل والمدرسة والطبابة . أما الطريق إلى المساجد فيعرفونها وليسوا بحاجة لمن يدلهم عليها .
3 ـ إلى جانب سلوك الأخوان المسلمين تجاه النخبة الذي يمكن ان ينعت بالتعالي والتكبر ، نلاحظ نوعا من الفوقية في علاقتهم ، بالذين يشككون في فهمهم للدين فيصمونهم بالردة ، وبالذين يتبعون ديانات غير الإسلام فيصفونهم بالكافرين . فضلا عن انهم لا يقبلون بمبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات ، دون النظر إلى معتقدهم الديني ! بمعنى آخر يبطن سلوكهم خطورة كبيرة على وحدة الأمة وعلى سلامة النسيج الإجتماعي .
4 ـ لا غلو في القول ، ان الحركات الإسلامية السياسية شكلت على الدوام حاجزا فاصلا بين النخبة من جهة وبين الناس العاديين من جهة ثانية . وما فاقم هذه القطيعة أكثر فأكثر هي أموال أمراء النفط . التي فضل بسطاء الناس الحصول على فتات منها بدل انتظار انتاج الزراعة أو تعلم الصناعة . إلى أن وصل الأمر في زماننا إلى إغواء النخبة نفسها . فلم يبق من يبحث عن حلول لمشكلات الناس ويضع السياسات التي تصون سيادة الأوطان .
لا منأى في نهاية هذا الفصل عن الإشارة إلى أن سقوط سلطة الإخوان المسلمين في مصر من شانه أن يساهم في معالجة سوء التفاهم الذي يكاد أن يودي ببلاد العرب باسم ” الثورات ” . الإخوان المسلمون يتوهمون أن مشي القهقرى يوصل إلى المدينة الفاضلة . الناس يمرون في حيرة . كيف الخلاص من الضائقة . بوعود أمراء النفط أم بالسير في قافلة الأخوان ام بالإعتماد على النفس ؟ أما النخبة فالعلاقة بينها وبين الناس مشوهة ، أما لان قوى خارجية تستغوي الأخيرين وأما لان هذه القوى تخيفهم وتروعهم واما لانها تبتاعهم .
سقطت سلطة الأخوان المسلمين في مصر . وظهرت بدائية هذه الجماعة وقصورها عن إدراك حاجة الناس البسطاء الماسة لوطن ودولة . ينبني عليه أن الإستقواء بالقوى الإستعمارية للوصول إلى السلطة على حساب الخصوم في داخل الوطن ، انما ينم عن رعونة سياسية !

(الديار اللبنانية )

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: