انقلاب حاد في المـزاج العام مصريا وعربيا ضد «الإخوان»

hourriah-1d6a9b18

بقلم: فارس الحباشنة

«الإخوان المسلمين»، حراس الفوضى في العالم العربي، هل تنتهي رحلة بحثهم عن استنساخ الازمات والفوضى وتداولها؟.
الاخوان لم يكونوا من محركي الانتفاضات والثورات في تاريخنا العربي المعاصر، ولا من مشعلي ثورة البوعزيزي في تونس، بل ركبوا موجتها بعد صعودها، لا بل قرروا ان يتسلقوا عليها ويمضوا بها في غير مسارها المقرر.
عودة الاخوان المسلمين بدأت تكبر وتتضخم وتظهر باشكال مختلفة في اكثر من بلد عربي بعد اقصاء الرئيس المصري الاسبق محمد حسني مبارك، ووجودهم صار ملازما سياسيا للحديث عن السلطة والحكم والانتخابات، وقد عادوا بقوة، فوجودهم لا يكاد يختفي عن الشاشات العربية والاجنبية وهم يسردون قصصا وهمية وخيالية عن صناعة ثورات الشعوب والدفاع عنها.
تاريخ الاخوان المسلمين متشعب ومعقد الى حد ما، فالتنظيم أدى دورا هامشيا وثانويا في التاريخ العربي المعاصر، خصوصا إن أرخنا لتاريخ الصراع العربي – الاسرائيلي وتاريخ استقلال الدول العربية من الاستعمار الاجنبي، وتاريخ نضال الشعوب العربية في مواجهة الانظمة القطرية القمعية والمستبدة، ولربما ان مناضلين فرادى لعبوا دورا يفوق الدور التاريخي للاخوان المسلمين قبل انبعاث حركة «حماس» من رحم الاخوان ودورها الجهادي «التنازلي» في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين.
يتطلب فهم تنظيم الاخوان المسلمين «حراس الفوضى» العودة الى البدايات: الى تنظيم من صنع شخصية غريبة بعض الشيء، هي شخصية حسن البنا، وقراءة «سر المعبد» الذي يؤرخ لتاريخ جماعة الاخوان المسلمين للقيادي الاخواني البارز السابق ثروت الخرباوي، يقدم تأملات عميقة لمعالم الحياة الداخلية لهذا التنظيم الذي لا يتردد في التعامل مع القوى العظمى «الكافرة» إن رضيت باستيلائه على السلطة.
كتاب «سر المعبد.. الاسرار الخفية لجماعة الاخوان المسلمين» صدر بأكثر من 11 طبعة منذ صدوره في تشرين الثاني 2012، وهو نجاح لم يحظ به كتاب اخر، ربما لسياق تزامنه مع فترة وصول الاخوان المسلمين في مصر الى الحكم «رئاسة مرسي» والاضواء المحلية والعالمية المسلطة عليها اكثر من اي وقت مضى، فلا غرابة تذكر.
الكتاب ليس مجرد سرد لتجربة مؤلفه في العمل السياسي بصفوف الاخوان المسلمين، بل هو بالاحرى سلسلة من اللوحات والبورتريهات والخواطر والتأملات ترسم معالم ما يطبع الحياة الداخلية للجماعة من عتمة وقداسة مفرطة للمرشد العام وصراعات تياراتها المتطاحنة والمتجاذبة على قواعد «برغماتية» بحتة لتصفية الحسابات ولو حتى «بالدم».. تناقض عميق عكس ما تبدو عليه من انسجام وتماسك.
الكاتب، وهو قيادي بارز سابق في الاخوان المسلمين، استطرد في سرد وقائع وقصص إخوانية بنبرة واسلوب روائي يشوق القارئ عند ختامها بحبس الانفاس متشوقا، وتتخلل روايته للاحداث وتحليلاته السياسية لازمة البيت الاخواني استطرادا طويلا عن اكتشاف ان طريق الايمان بالتجربة الصوفية المتجردة من متطلبات السياسة. والكتاب ثري بالمعلومات ومطالعته ضرورة لابد منها لفهم ردة اخوانية تنتقد التنظيم الاخواني من الداخل.
اليوم، يبدو ان الانهيار السريع للاسلام السياسي في مصر بدد حلم الاخوان بالاستقرار في السلطة. فجأة سقط مشروعهم في الحكم، وتناثرت كبناء زجاجي هش ارتطم به «جسم طائر»، شظايا لم يعد من الممكن اعادة اللحمة اليها. رحل الرئيس المعزول محمد مرسي الى السجن، ومن ورائه ثورة شعبية قومت مسار الثورة الاولى وأعادت الحكم الى المصريين.
لم يواجه الاخوان المسلمين حشدا متنوع الانتماءات السياسية والعقائدية. تجمعات شعبية فاقت مشاركتها كل التصورات تطالب بمواجهة تسلط الاخوان على الحياة العامة في دول عربية وإسلامية عدة «مصر وتونس وتركيا النماذج الاخيرة الحاضرة».. قوة شعبية عارضت الاسلاميين وكان لها دور في مواجهة تسلط الاخوان في الحكم.. احتجاجات شعبية فاقت كل التوقعات، وجذبت رفضا شعبيا عارما لحكم الاخوان وسياساتهم.
الحشد الشعبي الواسع والكبير الذي تشكل في مصر لمواجهة الاخوان، جذب أطرافا سياسية وثقافية واعلامية واقتصادية متنورة وجذب فلاحين وعمالا ومشردين وعسكرا وموظفي قطاع عام.. سؤال مركزي اضافي يواجه الاسلاميين عن سبب تنامي تيار عربي مناهض لحكمهم، يعبر عن نفسه بقوة في بلدان خارجة من رحم ثورات كتونس ومصر وليبيا واليمن وبلدان اخرى يعبر عن نفسه بالدم والعنف كما يجرى في العراق وسوريا.
الاخوان لم يقدموا أي إجابة واضحة، فهم يمارسون المغامرة والانتحار بسبب عدم قدرتهم على تحمل فكرة الخروج من السلطة، وباتوا يجرون ذيول الفتن من بلد الى الاخرى، يتحدثون في الاعلام عن المؤامرة، ويتحدثون ايضا بلغة الانظمة الاستبدادية التي تستند الى جمهور غير قليل لتبرر تسلطها على كل الشعب وكل الدولة ومؤسساتها. والواضح من سلوكهم أنهم يريدون المضي في مواجهة قد تقود الى عنف فظيع.
مركزية التنظيم الدولي في مصر أدت الى محاولات لاستنساخ الازمة المصرية ومحاولة تصديرها الى بلدان عربية أخرى وبث توترات في دول الاقليم، وهي تدفع بفرعها في الاردن الى المغامرة بحدها الاقصى واعاقة اي محاولة للاستقرار السياسي والبحث عن سؤال مشروع عن المستقبل وما العمل؟.
تعنت الجماعات انتقل بدول عربية الى «الدم»، وهو ما عاشته تونس باغتيال المناضل التقدمي محمد البراهمي، فأرادت تلك القوى المتطرفة بعث رسالة بأن «تونس غير» وأن حكم الاخوان لم يسقط، كما يحصل الآن مع الاخ الاكبر في مصر.
على الاخوان الالتفات الى هذا الانقلاب الحاد والهائل في المزاج العام، مصريا وعربيا وإسلاميا، وكان عليهم ان يكونوا مؤمنين بالاخر، والابتعاد عن الاقصاء ونهجه، واشراك الاخرين والاعتراف بهم، فليس بمقدورهم اليوم الا الانسحاب القسري من المشهد السياسي العام، وافساح المجال امام قوى وتيارات شعبية سياسية اكثر تأهيلا تاريخيا واجتماعيا للحكم.. إنها «حسبة» العقل لا غير.

عن الدستور الاردنية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: