“الإسلام السياسي” في العالم العربي: إلى الوراء در!

واشنطن – كتبت نسرين حلس: خلف الفشل الذي منيت به جماعة الإخوان المسلمين في مصر وتونس تراجعًا شعبيًا كبيرًا للتيار الديني المتمثل في الإسلام السياسي في المنطقة العربية، وبين المحيط العربي والإسلامي في العالم أجمع، بعد أن حظي بنسبة كبيرة من التأييد الشعبي بعد ثورة ٢٥ يناير، ساندته للوصول للسلطة واعتلاء كرسي الحكم في دول الثورات العربية.

ويعود تراجع شعبية التيار الديني في العالم إلى تعدد الأخطاء التي مارسها بعد توليه السلطة، وفشله في تلبيه مطالب الثورة، وتردي الوضع الأقتصادي المنهك أصلًا، والذي كان سببًا رئيسيًا في قيام الثورات، وافتقاره للرؤيا السياسية في معالجة أمور، وأوضاع البلاد مع تزايد انتهاك حقوق الإنسان، وتوجهه نحو التشدد، مع إبدائه شراهة نحو السلطة مع الإنفراد في الهيمنة والسيطرة، من دون السماح لوجود شريك حقيقي معه.

سخط عربي

لا يقاس تراجع شعبية تيار الإسلام السياسي إلى فشله في مصر وتونس، وإنما في دول المنطقة العربية التي تعيش تجربة سيطرة الإسلام السياسي، الأمر الذي لم تتقبله التنظيمات والأحزاب المحسوبة على هذا التيار، فشكل صدمة كبيرة لهم ولمناصيريهم الذين اعتبروا ما حدث نوعًا من المؤامرة لإفشالهم أمام الشعوب، وإحراجهم لإخراجهم.

و كان مركز بيو للأبحاث أجرى استطلاعًا للرأي حول نظرة المسلمين للتطرف الإسلامي في إحدى عشر دولة إسلامية، منها الأراضي الفلسطينية ومصر وتونس وباكستان ولبنان وأفغانستان والسنغال، أظهرت نتائجه أن العمليات الإنتحارية وأعمال العنف التي تشنها جماعات الإسلام السياسي المحسوبة على التيار الديني مرفوضة بشكل تام، حيث أن ثلاث أرباع مسلمي باكستان وآندونيسيا ونيجيريا لا يقبلون بها، ويعتبرونها مرفوضة غير مبررة.

وهذا يعنى أن تنظيم القاعدة وطالبان وحماس وحزب الله لم تعد تنظيمات تتمتع بنفس التأييد الذي كانت عليه من قبل. فقد حصل تنظيم القاعدة على سخط ما يعادل ٥٧٪ في حين أن طالبان حصلت علي سخط ٥١٪ تليها حماس بنسبة ٤٥٪ ثم حزب الله بنسبة ٤٢٪، وقد تعرضت حماس لانتقادات كثيرة من المشاركين جراء ارتباطها السياسي بتنظيم الإخوان المسلمين.

الهدف هو السلطة

يرد الصحفي والإعلامي أحمد الخطيب، رئيس القسم السياسي في صحيفة الوطن، تراجع شعبية الإسلام السياسي في الشارع لعدة أسباب، منها إخفاقه أمام الشعوب التي انتخبته وتعاطفت معه، في تقديم مشروع حقيقي ينهض بالبلاد كما وعد، مع عدم قدرته على تلبية مطالب الثورة الأساسية الحرية والعدالة الإجتماعية، بالإضافة إلى الأخطاء الإدارية والسياسية خلال فترة حكمه، بسبب قلة خبرة سياسية في إدارة شؤون الدولة وغياب برنامج واضح للحكم، “ما أوجد هوة واسعة بين ما يقولونه وبين الحقيقة والواقع على الأرض، الأمر الذي أفقده الثقة أمام ناخبيه الذين وجدوا أنه لم يختلف عن سابقيه، ولا عن أي حزب سياسي أخر طامح في السلطة”.

ويعتبر الخطيب أن السقوط كان أخلاقيًا ومعنويًا في عيون الجماهير، قبل أن يكون عمليًا على الأرض. يقول: “الجماهير التي منحت ثقتتها وصوتها للتيار الإسلامي تحت شعار الإسلام هو الحل، آكتشفت أن لا فرق بينه وبين التيارات السياسية الأخرى الطامحة في السلطة”.

أضاف: “إلا أنه استطاع توظيف هذا الشعار لخدمة أهدافه ومصالحه السياسية، ثم تخلى عن مبادئ الثورة مقترفًا التجاوزات والإخفاقات التي حدثت، بسبب إستماتته على تسلق السلطة، بالرغم من الفشل الذريع الذي مني به خلال فترة الحكم وانقلاب الجماهير عليه”.

بديل أمثل

يختصر الخطيب تقهقر تيار الإسلام السياسي بسقوط تنظيم الإخوان في مصر لأنه التنظيم الأم، وكل ما عدا ذلك من أحزاب في العالم العربي والإسلامي ما هي إلا فروع وتفريخات لها. كما أن الشعوب تنظر اليوم لتيار الإسلام السياسي نظرة واحدة على انه تنظيم واحد بعدة وجوه و أسماء مختلفة، “والدليل وقوفه صفًا واحدًا متحدًا مدافعًا عن شرعية وجوده، بالرغم من فشله في كل الدول التي مارس فيها السلطة، خصوصًا أن عمل بعض التنظيمات لا يتم إلا بسرية، حتى بعد وصولها للسلطة، فقد بقيت الجماعة على أيدولوجيتها تميل للعمل السري بطبيعة تكوينها، مع اختلاف الصدام هذه المرة وتحييد المجتمع الذي كان متعاطفًا دائمًا، فتحول اليوم معاديًا، وهذا ما أخاف الشعوب منهم”.

مع ذلك، لا يعتقد الخطيب بأن الإقصاء حل، “والبديل قبول الجماعة بالعرض المقدم من الدولة، اي الإنخراط في العمل الدعوي بدون التوجه للسياسة، أو الإنخراط في العمل السياسي كحزب سياسي من دون ازدواجية مع التوجه الدعوي، وهو الحل الأمثل الذي قد يسهم في تهدئة الوضاع”.

التراجع لا ينهيه

يرى الصحفي وناشر صحيفة الميزان بولاية واشنطن، الدكتور أسامه أبو أرشيد، أن الحديث عن خسارة الإسلام السياسي لشعبيته فاقد للمصداقية على الأرض، “وفيه من التحيز أكثر من الدقة، لأن التراجع إن حدث سيعيده إلى نسبة ٢٥٪ إلى ٣٠ ٪  من الشعبية، وهي النسبة الحقيقة لتمثيله الشعبي”.

ويعترف أبو أرشيد بأن أسباب فشل التيار يعود لأخطاءه الكثيرة والكبيرة في العمل السياسي، نتيجة نقص التجربة والخبرة، إلا أنه لا يبرر الإنقلاب وافشال الإسلاميين من قبل أنظمة علمانية لم تسقط بعد، ولم تتقبل نتيجة الإستفتاء وعادت لتعادي التيار الإسلامي لأنه تيار قوي قادر على التعبئة والحشد.

يقول: “أى تيار قادر على أن يكون بديلًا للنظام القديم سيكون بالتأكيد تيار معاد، فالهدف مما حدث ليس الإسلاميين أنفسهم، وإنما إسقاط أي تيار قوي، لذا فإن تنظيم الإخوان المسلمين تيار أصيل متجذر في المجتمع منذ ٨٥ عامًا، تعرض لأزمات كثيرة، فلا يمكن إقصائه بسهولة، والتراجع لا ينهيه”.

ويشير أبو أرشيد إلى أن التجربة التركية في الحكم تختلف عن التجربة العربية، “فالنظام في تركيا ليس نظام إخوان مسلمين كما يعرف في حين أن في العالم العربي ليس كل التيار الإسلامي تنظيم الإخوان، لكن هناك جماعات إسلامية متطرفة ممولة من أجهزة مخابراتية تعمل لحساب مموليها”.

وعلى الرغم من تأييده لحزب الله في مقاومته لإسرائيل، إلا أنه يرى أنه تورط في معادلة طائفية كبرى، ما كان يجب أن يتورط فيها منذ البداية، “لأنها أفقدته جزءًا من شعبيته، لكنها بالتأكيد لا تنهيه، لأنه قوي ووجوده مرتبط بإيران وإسرائيل”.

المأزق!

أما الدكتور محرز الحسيني، الصحفي وناشر صحيفة المنصة العربية ورئيس المركز العربي الأميركي للحوار والدراسات، فيرى أن الإسلام السياسي فشل لأنه جبهة معارضة للأنظمة، “واليوم بعد وصوله للسلطة لم يعد صدامه مع الأنظمة لكن مع طموحات وآمال الشعوب التي تتوق للحرية والعدالة والديمقراطية، فالإسلام السياسي كعقيدة لا يمكن أن يلتقي مع ما يعرف بالديمقراطية، فهو عقيدة ثابته لا تقبل النقاش والمساومة والإختزال، لذلك سيكون اليوم أمام مفترق صعب، أما مراجعة مفاهيم كثيرة في التنظيم وإحداث تغيير جذري لمنهج وفكر وأسلوب الحركة، أو العودة للعمل السري وسياسة الإغتيالات، ما سيكره الشعوب فيهم أكثر ويزيد من تراجع شعبيتهم في الشارع العربي”.

و يؤكد الحسيني أن إعادة التيار النظر بمنهجه سيمنحه أمل المشاركة في الحياة السياسية بنسبة ٥٠٪، وإلا يدق مسمارًا في نعش الحركة الاسلامية، لأن التيار الديني آثبت فشله في ربط الدين بالسياسة، “ومن الخطأ اختزال مفهوم الإسلام السياسي في جماعة الإخوان المسلمين، لأن هناك تنظيمات مختلفة، كل له مفاهيمه وأهدافه، لذا صار مفهوم الإسلام السياسي غير واضح، بمفاهيم إسلامية متعددة تتبع تنظيماتها، والمواجهة اليوم ليست مع الإخوان فقط، لكن مع افرازات الإخوان المسلمين وخلاياها المنتشرة في كل مكان”.

ويشير الحسيني إلى أن نجاح التجربة التركية لم يكتمل بعد، فلدى أردوغان مشاكل لم تستقر بعد، “ولا يجوز المقارنة بين التجربتين على اعتبار أن المتغيرات في العالم العربي تختلف عن المتغيرات في تركيا، التى تميل للفكر الأوروبي والإنفتاح نحو الغرب وحرية العقيدة، في حين أن الشخصية العربية لم تتطور بعد”.

عن ايلاف

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: