Category Archives: ما الذي يحدث في العالم العربي

ما الذي يحدث في العالم العربي !؟ شوقي العيسه

 

حركة التاريخ وتفاعل القوى في المجتمع وتطور المفاهيم ، كلها لا تعرف السكون، وصراع القوى الاجتماعية الاقتصادية له قوانينه والعوامل المؤثرة فيه ، والتي يعتبر دور الشخص او الفرد بينها ليس الاهم وليس المقرر على المدى الطويل ولكل قوة فلاسفة ومفكرين وقادة سياسيين وادوات و(حطب) اذا جاز التعبير، وكل قوة تعمل على التأثير على حركة المجتمع الدائمة لتسير في الاتجاه الاقرب لمصالحها.

في العصر الحديث، أي بعد تشكل الدول والدخول في مرحلة جديدة من علاقات المجتمعات ببعضها وتبلور مفاهيم تؤمن قواعد للصراع الدائم، حاولت كل قوة استغلال كل ما يمكن استغلاله للتحكم في خط سير المجتمع وبذلك كان الدين ثم القومية ثم الوطنية ثم الاممية ثم الرفاهية الفردية، اسلحة قوية للتأثير والتحكم.

في مرحلة الاقطاع نجحت القوى الباحثة عن التغيير في استخدام الدين لتكتيل الناس حولها ، ولكن حين تمكنت وحكمت لم تحقق العدالة ، بل ان حكم الدين في اوروبا كان من اسوأ المراحل من حيث البطش والتنكيل بالعلماء وعرقلة تطور المجتمع الصناعي ، وارتكبت خلاله الفظائع.

وحين نجحت الثورة الصناعية وبدأ حكم الرأسمالية وفصلت الدين عن الدولة ، صحيح انها نجحت في تطوير الدولة والمجتمع ولكنها لم تحقق العدالة ، وظهر بطشها خلال محاولة الرأسمال السيطرة على كل الموارد وتحقيق الربح دون حماية افراد وجماعات المجتمع المنتج ، بل ان الجشع جعلها تمارس الكولونيالية لتحقيق مزيد من الارباح .

وحين حققت الثورة الاشتراكية النجاح ، صحيح انها استمرت في فصل الدين عن الدولة وحمت الى حد كبير مصالح الفئات المستضعفة ، الا انها لم تحقق العدالة ، فسرعان ما تحولت مفاهيمها الايديولوجية الى نمط من العمل السياسي ادى الى تخلف الدولة والمجتمع بدل تطورهما وتقدمهما ، وادى ذلك في النهاية الى انهيار ما كان يسمى المعسكر الاشتراكي والذي لم يكن نظام اشتراكي حقيقي.

في القرن العشرين ومع تبلور الدول الوطنية بشكل مصطنع حسب مصالح القوى الاقوى في كل منطقة جغرافية ، وظهور جشع الرأسمالية الذي بدأ يعبر عن نفسه بطموح السيطرة والربح خارج حدود الدولة الوطنية ، زاد الصراع على النفوذ الذي يتخطى الحدود الجغرافية ، وكان من تجلياته حربين عالميتين ، ثم تكتل الدول الرأسمالية بما هو مشترك بينها ضد ما كان يسمى المعسكر الاشتراكي وانتصرت عليه ، كونه تمترس وراء دكتاتورية النخبة السياسية الفاسدة بغباء فكري ونظري جعله يسير بعكس حتمية حركة التاريخ ومنعه من التطور والتأهل للانتصار في صراعه مع الرأسمالية . في المقابل وبعد الحرب العالمية الثانية انتشرت حركات قومية ووطنية لدى الشعوب المستضعفة والمستعمرة لتبحث لشعوبها عن مكان وعن تحقيق لمصالحها الوطنية مستفيدة من الحرب الباردة ومن حركة التاريخ الحتمية ، ورغم فهم كلا المعسكرين انه لا يمكن وقف ومنع انتصار هذه الحركات ، الا انه كان من الطبيعي لديها البحث عن اشكال جديدة لمواصلة تأمين النفوذ والمصالح ، من خلال ما سمي الاستعمار الجديد غير المباشر واحتوائها كتابع وليس كحليف .

فقام الاتحاد السوفياتي اينما استطاع بتنصيب احزاب تابعة له حكمت دولها الوطنية بالقوة والدعم المباشر من الاتحاد السوفياتي ، بفهم مغلوط تماما للنظرية الاشتراكية الاقتصادية الاجتماعية ناتج عن تحكم نخبة فاسدة لديه . بل وصل الامر بالقيادة السوفياتية بعد الحرب العالمية الثانية ورغم انه كان واضحا الجوهر العنصري الاستعماري للحركة الصهيونية الى دعمها بشكل كبير لاحتلال فلسطين واقامة دولة عنصرية شوفينية فيها ، معتقدين انها ستكون تابعة لهم وتساعد في تحقيق اهدافهم في المنطقة ، ولكن سرعان ما تبين لهم ان ذلك كان مجرد وهم غبي لدى المتنفذين في السلطة عندهم .
اما الدول الرأسمالية التي كانت تتطور بشكل متواصل ومتسارع وتحرص على تجديد وتطوير اشكال سيطرتها بذكاء وتخطيط علمي، فقامت بتنصيب نخب فاسدة ايضا على شكل ملكيات او جمهوريات تابعة لها تحكم بالقوة والدعم المباشر من الولايات المتحدة وحلفاؤها في اوروبا، وبالمقابل تؤمن لهم مواصلة النفوذ والسيطرة .

في الشرق الاوسط ظهر ايضا نوع ثالث هو الدول القومية وخاصة في مصر وسوريا والعراق ، وهذه كانت انظمة ليست من النوع التابع بالكامل لهذا المعسكر او ذاك ، وحاولت تحقيق مصالح شعوبها من خلال نظام هجين متخبط فاشل وكونها وقعت في خطيئة الدكتاتورية الدموية سرعان ما تربع على عروشها نخب فاسدة تحكم بالحديد والنار اكثر بما لا يقاس من الانظمة التابعة للمعسكر الرأسمالي ، وفي مصر سرعان ما انتهى هذا النظام بوفاة عبد الناصر وتحول بسهولة الى معسكر التابعين للولايات المتحدة والغرب .

وبالتالي عاش العالم العربي المقسم الى دول وطنية مصطنعة ولكن اصبحت حقيقة لا يمكن عدم التعامل معها ، عاش العقود الاخيرة من القرن العشرين يسير بعكس حركة التاريخ وعلى هامشه ، قمع اعدام سجون تعذيب فقر تخلف ضعف …الخ، ولم يستطع طبعا تحرير جزأ منه وهو فلسطين التي لا تزال تحت احتلال اجنبي مباشر، ورافق ذلك فشل في بلورة بديل قوي وناجح يستطيع النهوض والتعبير عن مصالح الناس وقيادتها لاستقلال حقيقي كامل ، يؤسس لتقدم وتطور ويشكل ندا وليس تابعا خاصة وان العالم العربي غني بموارده الطبيعية والبشرية وبامكانه ان يصبح قوة عالمية مؤثرة في حركة التاريخ في العالم اجمع .

الدوائر المقررة (المؤسسة) ومراكزها للتخطيط الاستراتيجي لدى الغرب والتي لا تتوقف عن العمل ، تفهم تماما ان هذا الوضع في العالم العربي من المستحيل ان يستمر ، وتعرف ان هذه الانظمة الفاسدة لا تعي ذلك وستفشل بالضرورة في مواكبة التغيير وحماية نفسها ، ولان هذه الدوائر لا تعمل بمنطق رد الفعل بل تستبق الاحداث، وتخطط للتأثير فيها بل وحتى صناعتها ان استطاعت ، فانه من الغباء الاعتقاد انها لم تكن تخطط لمرحلة ما بعد سقوط هذه الانظمة في الدول العربية ، خاصة وانها تفهم تماما ان المزاج الشعبي معاد لها ولقاعدتها المتقدمة في المنطقة (اسرائيل) ، التي ستنتهي على الاقل بشكلها الحالي اذا حصل سقوط الانظمة وظهور انظمة جديدة، بشكل غير مبرمج ومحسوب وموجه من قبلهم . كما ان هذه المراكز تعرف ان ظهور انظمة ديموقراطية يتم تبادل السلطة فيها بشكل دوري وسلمي هو بالضرورة ضد مصالحها وضد استمرار نفوذها، وانها ان تركت الامور تسير بطبيعتها التاريخية فان الشعب سيفرض على القوى المدنية اليسارية ان تصحو وتتخلى عن تفكيرها العقيم وانماط عملها الفاشلة وقياداتها المهترئة ، وستتبلور قوى سياسية قادرة على قيادة المرحلة القادمة التي تحقق الاستقلال الحقيقي وتحمي خيرات البلاد وتحقق التقدم والتطور من خلال ديموقراطية حقيقية .

لذلك كله كان على الغرب ان يسابق الزمن ويتحرك ليؤخر انتهاء نفوذه وسيطرته على المنطقة ، وهو بالتأكيد لم يتأخر بل ان المؤشرات تدلل انه وضع الخطط في بداية تسعينيات القرن الماضي ان لم يكن قبل ذلك بقليل . ولخبرتهم وقدراتهم الهائلة وحرصهم على استخدام كل العقول لديهم في دراسة التاريخ والمجتمع والثقافة وكل شيء ، ولانهم يعرفون تجربتهم في اوروبا وما حصل فيها من تخلف ومذابح حين حكمهم الدين ، فانهم وجدوا في استخدام الدين سلاحا من اقوى الاسلحة لتأخير العالم العربي عن النهوض ليصبح قوة عالمية، وبدأوا مستخدمين كل ادواتهم واسلحتهم السياسية والاعلامية والعسكرية وبالتأكيد المالية ، وكان في مقدمة ذلك ضرورة انهاء منظمة التحرير الفلسطينية او تدجينها لما لها من تأثير يقوي القوى العربية غير الدينية المعادية للغرب، والاستفادة من انهيار المعسكر الاشتراكي ، ثم تشغيل الة اعلامية قوية لغرس قناعات لدى العربي الناقم على انظمته وعلى الغرب بان الدين هو الخيار والمنقذ ، فهو من ناحية يبعد الناس عن القوى المدنية الوطنية والقومية ومن ناحية اخرى يقسم ويخلق الصراعات الطائفية واخيرا هو سيفشل بالضرورة في النهوض بالعالم العربي لان الدين في العصر الحديث لا يمكنه باي شكل ان يقود دولة حديثة تنافس القوى العالمية ، اضافة الى معرفتهم بان الدين السياسي العربي الاقوى وهو الاخوان المسلمين قابل للتدجين وللتحالف معهم مقابل البقاء في السلطة. ونتذكر جيدا موقف الغرب عندما اصر على اجراء انتخابات فلسطينية كان يعرف ان حماس ستحصل على حصة كبيرة فيها ثم اصر على منعهم من تسلم السلطة لان الهدف كان وقتذاك اضعاف م ت ف وتقسيم الفلسطينيين ، بينما اليوم نرى الحكومة الامريكية تصر علنا على ضرورة تسليم السلطة في مصر وبصلاحيات كاملة للاخوان المسلمين !!؟

كذلك كيف يمكن ان نفسر قيام اكثر نظام عربي تبعية للولايات المتحدة بانشاء اقوى امبراطورية اعلامية عربية وتسليمها للاخوان المسلمين.
واضافة لذلك لم يفتهم الانتباه بدقة الى التيارات اليسارية والقومية والمدنية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ، وبث روح الاحباط والفشل فيما بينها ، ولكنهم بالتأكيد انتبهوا الى ان الاشخاص الاكثر انفتاحا على التفكير والتطوير ومواكبة العصر في هذه التيارات سيحاولوا انقاذها وتطويرها او تركها وانشاء قوى جديدة تستطيع النجاح لذلك كان يجب الحؤول دون ذلك ، فشهدنا فجأة انتشارا واسعا كالفطر في العالم العربي لمؤسسات غير حكومية ميزانياتها بملايين الدولارات من حكومات الغرب واتباعها تناضل من اجل الديموقراطية وحقوق المرأة والحريات بكل انواعها والاغلبية الساحقة من قادة وموظفي هذه المؤسسات من هؤلاء الذين تركوا تنظيماتهم القومية واليسارية ، وبالتالي تم ابعادهم عن خلق قوة سياسية تنظيمية قادرة على قيادة الجماهير نحو تغيير حقيقي معاد للغرب ، واقتصر عملهم على مؤسسات لا تطمح للوصول للسلطة بل لاصلاحات تجميلية لا تؤدي لتغيير نظام حكم . من الضروري وجود مؤسسات مدنية وغير حكومية في كل الدول المعاصرة ولكن شريطة ان لا تكون بديلا للاحزاب والتنظيمات السياسية ، وكذلك شريطة ان يكون مموليها من المدافعين عن اهدافها المعلنة ، ليس كما هو الحال في فلسطين مثلا حيث تمول بعض حكومات اوروبا مؤسسات حقوق الانسان وتقوم هذه الحكومات الممولة نفسها بالتصويت ضد كل قرار تطالب به هذه المؤسسات في مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة . بل ان احدى هذه المؤسسات تمنع موظفيها من النشاط في أي حزب سياسي .

اين نحن الان . امامنا انهيار للانظمة العفنة الواحد تلو الاخر وتغول اعداء شعوبنا الغربيين وضغطهم لاستبدالها بحكم ديني منظم وقوي ، وقوى معارضة ضعيفة قومية ويسارية ومدنية عقيمة وقياداتها مهترئة واساليب عملها متخلفة ، تتغنى بمقاومة التآمر الغربي الذي لا تفهمه، بطريقة دون كيشوت المحكوم عليها بالفشل فتجدهم مثلا يقفون ضد الغرب المعادي لنا ، بتأييدهم لنظام دموي عفن فاشي في سوريا بطش بشعبه على مدى اكثر من ثلاثين عاما اكثر مما بطش به الاعداء انفسهم . مثلهم في ما يفعلون اليوم كمثل علماء وكهنة بيزنطة حين كان عدوهم على ابواب القسطنطينية لاحتلالها وتدمير دولتهم واستمروا في اجتماعهم العاصف لنقاش ما اذا كان الملائكة ذكورا ام اناثا ثم نقاش البند الثاني على جدول اعمالهم ما اذا كانت الاسبقية للبيضة ام الدجاجة وكان ما كان.

المطلوب من كل عربي يعتبر نفسه قوميا او يساريا او مدنيا او وطنيا ، ان يبتعد كليا عن الدفاع عن انظمة عفنة بحجة المؤامرة الغربية فهكذا انظمة ستسقط بالتأكيد ولن نتقدم الا بسقوطها، وان يعمل على خلق قوة سياسية حقيقية بعيدا عن كل الخلافات الثانوية الان ، على قاعدة النهوض بالدول العربية ومحاربة الطائفية من خلال بديل يقوم على تحقيق الاستقلال الحقيقي وفصل الدين عن الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية الاقتصادية ، وفي الدول التي سيطر فيها الدين السياسي او يكاد ، الضغط للحفاظ على المكتسبات المدنية والتركيز على المواطنة والمساواة ، وعلى التداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات ديموقراطية وهذا اهم شيء الان لتحقيقه وترسيخه الى الابد ، وفقط ، وبعد ذلك يمكن الخوض في الاختلافات والبذخ الفكري.

http://www.shawqiissa.org